الفصل الثالث
الحالة السياسية والاقتصادية
المبحث الأول
السلطة والنفوذ
المطلب الأول: نظام الحكم
يلّخص (ابن كثير) حال بني إسرائيل من بعد يوشع بقوله:"قال ابن جرير [1] وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل، وعظمت فيهم الأحداث والخطوب والخطايا، وقتلوا من قتلوا من الأنبياء، وسلط الله عليهم بدل الانبياء ملوكًا جبارين يظلمونهم، ويسفكون دماءهم، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضًا" [2] .
وبحسب التوارة التي بين أيدينا فإن الذي كان يحكم في تلك الفترة هم (القضاة) ، وهؤلاء القضاة يتبعون التقسيم القبلي - الذي ذكرناه في الفصل الماضي-، وغالبًا ما يظهر هؤلاء (القضاة) وقت الأزمات فقط كمخلّصين لهم من أمرين:
أ/ إما من حرب قائمة عليهم من أعداء الأمم المجاورة، والوقوف أمام الطغاة المستبدين.
ب/ أو من أجل تحذيرهم من الوثنية والوقوع في المعاصي.
ولم يكونوا (ملوكًا) ولا (قادةً) بالمعنى العام، فهم أقرب ما يكون إلى القيادة العسكرية أو الزعامة الدينية فقط، وبالتالي فلم تكن سلطة (القاضي) سياسية، بل هي سلطة محدودة المدى والمدة، ولم يكونوا أيضًا خلفاء لبعضهم البعض، بل إننا نشهد أكثر من واحد في وقت واحد.
وهكذا يبدوا واضحًا أنه لم يقم أحدٌ - بعد وفاة يوشع عليه السلام- بكل مهام السلطة العليا، ولم يكن تصريف الأمور في دولة بني إسرائيل يعتمد على مشيئة إنسان واحد، أو حتى مجلسٍ واحد [3] ، وظل بنو إسرائيل زمنًا طويلًا لم يؤلّفوا أمة واحدة،
(1) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، مرجع سابق، 1/ 466:464
(2) ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، 2/ 287
(3) سبينوزا، مرجع سابق، ص 407