مأهولة بالسكان، وكثيرة البناء [1] . فالفتح العظيم في عهده كان لـ (أريحا) ولم يكن للقدس، كما ذهب إلى ذلك جمهور المؤرخين [2] .
و (أريحا) هي القرية التي قال الله عنها لبني إسرائيل: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا ... الآية} [3] ، وذلك على الصحيح من أقوال المفسرين [4] .
الدليل الخامس: في عهد طالوت أيضًا، لم يكن هدفه افتتاح (أورشليم) ، ولا الوصول إلى المسجد الأقصى. بل كان هدفه استنقاذ الأسارى واستعادة الأراضي السليبة. وقد أخطأ بعض المفسرين في ذكرهم أن خروج جيش طالوت للقاء جيش جالوت كان من بيت المقدس [5] .
وإنما الذي حدث بعد تولي داود عليه السلام الملك، أنه اتّخذ (أورشليم) عاصمة له؛ وذلك لما لها من الأهمّية الجغرافية في المنطقة، وارتفاعها من المناطق التي من حولها؛ وحتى مع اتخاذها عاصمة له، لم يقم داود بإعادة بناء المسجد الأقصى مع طول مكثه بـ (القدس) ، وإنما الذي شيدّه وبناه هو ابنه (سليمان) عليه السلام.
وهذا من أعجب الأمور التي لم يلتفت إليها الباحثون؛ إذ أننا إذا دقّقنا النظر، وجمعنا متفرّقات التاريخ، لوصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن مدينة (القدس) كان
(1) ابن كثير، البداية والنهاية، مرجع سابق، 1/ 301
(2) حاول الإمام ابن كثير أن يثبت أن (يوشع) افتتح بيت المقدس، وأن فتح بيت المقدس هو المقصود الأعظم، وفتح أريحا كان وسيلة إليه، ولكن الأدلة التي ذكرها لا تقوم بها حجة. انظر: البداية والنهاية، مرجع سابق، 1/ 301
(3) سورة البقرة، آية 58
(4) الطبري، جامع البيان، مرجع سابق، 1/ 338؛ البغوي، مرجع سابق، 1/ 98؛ ابن الجوزي، زاد المسير، مرجع سابق، 1/ 84
(5) البغوي، مرجع سابق، 1/ 301؛ الألوسي، مرجع سابق، 2/ 169