ليس المقصود بالعقل هنا هو ما يضاد الجنون، والذي يكون في التكاليف الشرعية المتعلّقة بآحاد الناس، ولكن المقصود هنا"ما يزيد على ذلك القدر الغريزي وهو المكتسب منه بكثرة التجربة وطول المباشرة بتقلّب الأيام وتصرف الحوادث، فقد قيل: كفى بالتجارب مؤدبًا وبانقلاب الدهر عظة، وقيل: التجربة مرآة العقل، والغرة ثمرة الجهل" [1] .
فإذًا تعريف العقل المراد هنا: عبارة عما يستفاد من التجارب بمجاري الأحوال. ومن نتائجه: الفكرة السليمة، والنظر الثاقب في حقائق الأمور، ومصالح التدبير.
وقد سئل بعض الحكماء عن العقل فقال: الإصابة بالنظر، ومعرفة مالم يكن بما كان [2] .
وهذا النوع من العقل هو مما يتأكد على القائد ما لا يتأكد على غيره من الأفراد، وذلك لأن القائد بحاجة في اتخاذ قراراته إلى معرفة ماهو الأصلح والأنفع، وهو يدرك بعقله (معرفة خير الخيرين وشر الشرّين) ، وخصوصًا في الأمور المشتبهة [3] .
ونجد في قرارات طالوت هذا العقل الراجح، والنظر الثاقب لمآلات الأمور، والتي مكنته من اتخاذ قرارات خطيرة وحاسمة، مثل قرار (الاستمرار بالقليل) بعد أن تركه الكثير، وقرار مشاركة داود عليه السلام وهو صغير والسماح له بمبارزة رأس الكفر (جالوت) .
كما أننا نلاحظ من بداية الحدث فراسة النبي صموئيل عليه السلام، والذي عرف بعقله مالم يكن ولم يحدث بعد، بما كان من شأن بني إسرائيل، (( قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ) )!
(1) ابن الأزرق، مرجع سابق، ص 421
(2) الشيزري، مرجع سابق، ص 257 (بتصرف) .
(3) ابن الأزرق، مرجع سابق، ص 422