فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 448

المطلب الأول: ضُربت عليهم الذلة

لقد سطّر القرآن العظيم صفحة عجيبة لازمت اليهود متى ما عاشوا، وأينما كانوا فقال سبحانه وتعالى:

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [1] ، يقول (الزمخشري) :"ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله وحبل الناس، فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها، وذلك كائن بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده" [2] .

ولا شك - من الناحية التاريخية- أن مرحلة الذلة لم تبدأ في عهد موسى عليه السلام وإنما بعد عهد يوشع عليه السلام فإن قتل الأنبياء لم يقع منهم إلا متأخرًا بعد وفاة موسى عليه السلام بأجيال.

فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عددًا من أنبيائهم- وهي أشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين - وقد كفروا أشنع الكفر، واعتدوا أشنع الاعتداء، وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل! [3] ، ولذلك ضربت عليهم الذلة المقيتة.

ومن أسباب هذه الذّلة الفاضحة عن اليهود تطبعهم واستئناسهم بها، حتى غدت غريزة من غرائزهم، يقول صاحب تفسير (المنار) :"المعروف أن الشعوب التي تنشأ في عهد الاستبداد، وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها، وتذل نفوسها، ويذهب بأسها، وتضرب عليهم الذلة والمسكنة، وتألف الخضوع وتأنس المهانه، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق موروثة ومكتسبة حتى تكون كالغرائز الفطرية والطبائع الخلقية، إذا أَخْرجْت صاحبها من بيئتها، ورفعت عن رقبته نيرها، ألفيته ينزع"

(1) سورة آل عمرآن، آية 112

(2) الزمخشري، تفسير الكشاف، 1/ 401

(3) سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، 1/ 75 (بتصرف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت