بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه. وبعد:-
(القرآن) كتاب عظيم عجيب، يفيض بالمعاني المتجدّدة، أراد الله منا أن نتدبّر ما بين دفتيه، وأن نلقي أسماعنا بين يديه، وأن نبصر دروبنا بنور هديه .. إنه بحر لا يدرك غوره، ولا تنفد درره، ولا تنقضي عجائبه، وكلما أعدنا النظر في آياته انداحت في أذهاننا أنوار الفهوم .. فهو كتاب ما فرّط الله فيه من شيء؛ ففي علم التربية هو المقدّم، وفي علم السياسة هو الأوّل، وفي علم الاجتماع والإنسان والاقتصاد و ... و ... هو المرجع والفيصل.
وفي القرآن لم تحظ أيّ أمة من الأمم السابقة بالتتبّع المطوّل مثلما حظيت أمّة بني إسرائيل .. منذ المهد واللحظات الأولى من حياة يعقوب والأسباط .. ثم الاستعباد أيام الفراعنة .. والخروج الكبير على يد موسى عليه السلام .. ثم مرحلة التيه .. ثم بداية الطريق إلى بيت المقدس على يد يوشع عليه السلام .. وعصر الذلّة والانحطاط في عهد القضاة .. ثم مرحلة الانتفاضة الكبرى على يد القائد طالوت .. وبداية عهد الملوك .. ثم الشتات .. ثم ... الخ، حتى يمضي في حديثه عن بني إسرائيل إلى الزمن المحمّدي .. بل إلى آخر الزمان.
ومن السرد القرآني لتاريخ أمة بني إسرائيل تستوقفنا آيات كانت فيصلًا بين عهدين؛ عهد الذلة والهوان، وعهد العزّة والتمكين، في رسم بياني بليغ ارتفعت فيه مؤشرات النجاح والانتصار، من الحضيض إلى سقف الفخار، ودبّت في أمة بني إسرائيل الحياة، بعد أن صارت في حكم الموات؛ تلك هي بعض آيات سورة البقرة، والتي يقول الله تعالى فيها: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ