نفسه كان بإهمال غيره أجدر, فبعيد أن يحدث الصلاح عمن ليس فيه صلاح, لأن ضرورة نفسه أمسّ, وهو بتهذيبها أخص" [1] ."
ولا يصلح لسياسة غيره من لا يصلح لسياسة نفسه, ولهذا ذم الله تعالى من ترشح لسياسة غيره, فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وهو غير مهذب في نفسه، فقال: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [2] وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [3] أي هذبوها قبل الترشح لتهذيب غيركم [4] .
حينما يكون المرء في موضع القيادة, فإن عليه أن يتحمل تبعات تلك القيادة وذلك بغرس (علو الهمة والتفاؤل) في نفسه. والتي تعينه ولا شك على اجتياز واختراق الصعاب وتحمل المشاق، والاستهانة بما يعترضه من آلام, طموحًا إلى المجد الذي يصبو إليه.
لقد آلى طالوت على نفسه أن يركز على طموحه وهدفه, ولم يثنه أن تراجع أكثر من 95% من جيشه, بل كان هو ومن معه يحدوهم النصر (( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) ).
ولما كان مجد الأخرة أعظم المجد كان ابتغاؤه أعظم الغايات, وكان هو الهم الأكبر للمؤمنين الصادقين ذوي الهمم العالية, والنفوس الكبيرة الزكية (( الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ) ).
(1) الماوردي, تسهيل النظر, مرجع سابق، ص 47
(2) سورة البقرة، آية:44
(3) سورة المائدة، آية: 105
(4) الراغب الأصفهاني, أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل, الذريعة إلى مكارم الشريعة, تحقيق: أبو اليزيد العجمي, ط 1, (القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر, 1428 ه - 2007 م) , ص 84