استند المعارضون لتنصيب (طالوت) ملكًا، بأن جمهور الناس وغالبيتهم سيختارونهم ويفضلونهم على طالوت [1] ، وهذا أمر مغروس في نفوس أهل الجهالة، وتتشوّف إليه نفوس عامة الخلق"إذ سابق الرئاسة والجاه والملاءة بالأموال مما يستتبع الرجال، ويستعبد الأحرار" [2] .
والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يكونوا أفضل منهم بالمعارف والصفات الذاتية [3] . فعقول عامة الناس ربّما لا تستوعب النظر في أمور السياسة، وما يصلح لهم وما يضرّهم، وهذا من أعظم مفاسد الفكر (الديمقراطي) المعاصر في اختيار القادة والزعماء [4] .
إذ أن أصحاب الأموال غالبًا هم من يستطيع القيام بالأعمال الدعائية لانتخابه، وهم الذين يموّلون الإعلام الذي يصنع عقول الناس، ويشكل الرأي العام. فينطلق غوغاء الناس ليرموا أصواتهم في (صندوق) يظنون أنه رمز حرّيتهم، وهم في حقيقة الأمر مستعبدون للإعلام الدعائي لأصحاب الأموال.
وإن الديمقراطية التي تعتمد في انتخاب القائد على الأصوات المتساوية لجميع أفراد الشعب الذين بلغوا السن القانوني للانتخاب، بدون مراعاة مقياس العلم والفهم للشعوب، هي في الحقيقة تسير بالشعوب الجاهلة إلى الهاوية؛ لأن الأمم في طور الجهل ترى أن أحق الناس بالقيادة والزعامة أصحاب الثروات الواسعة."وهذا الاعتقاد من السنن العامة في الأمم الجاهلة خاصة، فإنها هي التي تخضع لأصحاب العظمة الوهمية ... ومن عجيب أمر الناس أن كلًا منهم يحسب أنه يعرف الصواب في السياسة"
(1) ابن عاشور، مرجع سابق، 2/ 491
(2) أبو حيان، مرجع سابق، 2/ 268
(3) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 6/ 477
(4) لمعرفة النموذج الديمقراطي فيمن له احقية الانتخاب: آلان ثورين، ما الديمقراطية، ترجمة: عبود كاسوحة، د. ط (دمشق: وزارة الثقافة، 2000 م) ، ص 38 وما بعدها؛ تشارلز ييللى، الديمقراطية، ترجمة: محمد فاضل طباخ، ط 1، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010 م) ، ص 225:203