(العدل) و (العقل) قرينان مؤتلفان, وما ائتلف أمران إلا كان أحدهما محتاج الى الآخر اضطرارًا, وما سواهما من الفضائل واسطة بين (العدل) و (العقل) , ويختص العقل بتدبيرها, والعدل بتقديرها. فيكون العقل مدبرًا, والعدل مقدّرًا [1] .
إن (العدل) هو الركن الركين في (الملك) والقيادة, وهو ميزان الله تعالى في الارض, الذي به يؤخذ للضعيف من القوي, وللمحق من للمحق من المبطل.
وليس موضع الميزان بين الرعية فقط, بل بين السلطان والرعية أيضًا, فمن أزال ميزان الله الذي وضعه من القيام بالقسط, فقط تعرض لسخط الله تعالى.
إن (العدل) هو روح الملك, وما فائدة جسد بلا روح؟ فعدل الملك هو حياة رعيته [2] ، وبه يستتب أمر العالم, ولذلك قال الله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [3] وقال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) } [4] , وقد عبر الله عن العدل بالميزان لأن ذلك من آثاره ومن أظهر أفعاله الحسية [5] .
ومن أجل (العَدل) أرسل الله سبحانه النبيَ (صمويل) إلى بني اسرائيل, ثم اختار النبيُّ عليه السلام (طالوت) ملكًا ليقيم العدل بين بني اسرائيل ولكن (العدل) الذي جاءت به الأنبياء يختلف عن عدل الملوك والقادة الصالحين, فإن"العدل ينقسم قسمين: قسم إلهي جاءت به الرسل والأنبياء عليهم السلام عن الله تعالى, والثاني ما يشبه العدل, وهو السياسة الإصلاحية التي هرم عليها الكبير, ونشأ عليها الصغير, وبعيدٌ أن يبقى سلطان, أو تستقيم رعية في حال إيمان أو كفر بلا عدل قائم" [6] .
(1) الماوردي، أدب الدنيا والدين, مرجع سابق، ص 12 (بتصرف) .
(2) الطرطوشي, مرجع سابق، ص 213 (بتصرف) .
(3) سورة الشورى, آية:17
(4) سورة الرحمن, آية 8:7
(5) الراغب الأصفهاني, الذريعة, مرجع سابق، ص 249 (بتصرف) .
(6) الطرطوشي, مرجع سابق، ص 215