شعور المرء بالمسؤلية وتحمله لها تجاه نفسه وقومه ودينه من القيم الجوهرية في المجتمعات الحضارية، وحاجة الفرد إلى هذا الشعور المتنامي يساهم بشكل فعّال في دفعة إلى العمل والبحث عن حلول.
وقد كان بنو إسرائيل قبل مجيء طالوت دائمًا ما يبحثون عن كبش فداء يحمّلونه أخطاءهم وعيوبهم، وإذا ماحدثت لهم كارثة نسبوا مسئولياتها لأنبيائهم وصالحيهم وقادتهم، دون أدنى شعور بتحمّل تلك المسئولية، وهم الذين قالوا من قبل لموسى عليه السلام: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [1] .
أما في عهد (طالوت) فقد بدأ لديهم الاحساس بهذا الشعور، فبدؤا أولًا بالمطالبة بالملك، وطلبوا أيضًا أن يذهبوا للجهاد في سبيل الله، فدل ذلك على تحمّلهم لهذه المسؤلية، وليس ذلك مقتصرًا على خاصة بني إسرائيل من (الملأ) ؛ بل إنه"متى عظم الشعور في نفوس خواص الأمة بوجوب حفظ استقلالها، ودفع خيم الأعداء عنها، فإنه لا يلبث أن يسرى إلى عامتها، فيظن الناقص أن عنده من النعر والحمية للأمة ماعند الكامل" [2] .
وقد علّل (الكواكبي) سبب فقدان هذا الشعور بقوله:"مبني قاعدة كون الأمة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد ولا تستحق الحرية هو: أن الأمة إذا ضربت عليها الذلة والمسكنة وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمة سافلة الطباع ... حتى إنها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظييفة غير التابعية للغالب عليها ... ولهذا قرر الحكماء أن الحرية التي تنفع الأمة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها" [3] .
(1) سورة المائدة، آية 24
(2) رشيد رضا، مرجع سابق، 2/ 492
(3) الكواكبي، مرجع سابق، ص 180:179