إن الخبرة بأي عمل هي أصل من أصول نجاحه, والجهل به سبب كبير لفشله, ولذلك فإن القائد لابدّ أن يكون ذا خبرة فائقة بشئون الحرب وفنونها, وبرجاله الذين أعدهم لقتال الأعداء, وبالعدو الذي يقاتله, وسلاحه الذي يستعمله, وبالأرض التي تكون عليها المعركة من سهول وجبال وغابات ومياه وغير ذلك [1] .
وقد برزت خبرة (طالوت) في عدة نواحي:
أ/ خبرته بجنده, وأن منهم من لايصلح للقتال, يقول (سيد قطب) :"وفي ثنايا هذة التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة, وكلها واضحة في قيادة طالوت. تبرز فيها خبرته بالنفوس, وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة, وعدم التفاته للتجربة الأولى, ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة, وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه، - وهذا وهو الأهم - عدم تخاذله وقد تضائل جنوده تجربة بعد تجربة, ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة, فخاض به المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص, ووعد الصادقين المؤمنين" [2] .
ب/ خبرته بعدوّه، حيث كان طالوت يعلم أعدادهم وأنهم (( فئة كثيرة ) )، ويعرف أسلحتهم وكيف يجابهها، ويعرف أيضًا غرور سيّدهم (جالوت) وكان سيودي به هذا الغرور إلى الهلاك.
بل إنه منذ خرج من البلد للقائهم كان واضحًا له أين يتّجه، وأين سيلقى عدوه بالتحديد، (( فلما فصل طالوت بالجنود قال ... ) ). قال ابن قدامة:"الأمير أعرف بحال الناس وحال العدو ومكانهم ومواضعهم وقربهم وبعدهم" [3] .
(1) القادري, عبد الله أحمد, الجهاد في سبل الله حقيقته وغايته, ط 2, (جدة: دار المنار, 1413 ه- 1992 م) ، 2/ 12 - 13
(2) في ظلال القرآن, مرجع سابق، 1/ 263
(3) ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، ط 1، (بيروت: دار الفكر، 1405 ه) ، 10/ 386