يشكّك الأستاذ محمد عبده في أن المقصود بالآية (( أنى يكون له الملك علينا ) )هو النّسب [1] إذ يقول:"القرآن لم يصرح بأن ذلك هو وجه قولهم أنهم أحق بالملك، وفي المسألة نظر لا محل هنا لبسطه، ولكن نقول بالإجمال أن الانتساب إلى اهل الشرف الحقيقي، وهم أصحاب المعارف الصحيحة والأخلاق الفاضلة، والنفوس الكريمة العزيزة له أثر في النفس عظيم، فإن سبيل الشرفاء جدير بأن يحافظ على كرامة نفسه فلا يدنّسها بالخيانة، ثم إنه لا بد أن يرث شيئًا من فضائلهم النفسية، فيكون استعداده للخير أعظم في الغالب."
وإنك لتجد الأمم الراقية في العلم والاجتماع تختار ملوكها من سلالة الملوك والأمراء، وتحافظ على قوانين الوراثة في ذلك، وما ارتقى عن هذا إلا أصحاب الحكومة الجمهورية"."
وربما دفعه إلى هذا الكلام كونه كان يعيش في ظل نظام ملكي في مصر، ولكنه يتوسط بعد ذلك ويرجع إلى الصورة الصحيحة فيقول:"وقد جاء حكم الاسلام في هذه المسألة وسطًا، فلم يغفل أمر النسب بالمرة لئلا تتسع دائرة الخلاف بطمع كل قبيلة في الإمامة الكبرى، ولم يجعل الأمر في بيت معين لما في ذلك من الغوائل، بل جعله في قبيلة عظيمة كثيرة العدد لا تخلو ممن هو أهل للإمامة، وهي محترمة في نفسها كانت محترمة في العصر الأول، ويرجى أن يدوم احترامها ما دام الإسلام الذي أتمّ الله نعمته على البشر بجعل رسول الله وخاتم النبيين منها ألا وهي قريش. فمن الحكمة في ذلك أن تظل الرياسة العليا للأمة مرتبطة بتاريخ ماضيها وقوم مؤسسها" [2] .
إذن فمسألة اشتراط (القرشيّة) في الإسلام هي مسألة متفق عليها بين علماء الإسلام حتى قال (الشنقيطي) :"دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على"
(1) وهذا ما جعل (ابن عاشور) أيضًا يُعرض صفحًا عن قضية (النسب) ، ويركز على أنهم كانوا"قادة وعرفاء، وشاول رجل من السوقة". (التحرير والتنوير، مرجع سابق, 2/ 491) .
(2) تفسير المنار، مرجع سابق, 2/ 494