الوثنية في بني إسرائيل ليست جديدة على عاداتهم، فمن المعلوم لدينا أنهم ماكادوا يخرجون من البحر، ولم تجفّ أقدامهم بعد، حتى رأوا قومًا يعبدون أصنامًا لهم، فنسوا كل ما يذكرونه من آيات موسى، ونجاتهم مع موسى، وقالوا ما حكاه القرآن: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) } [1] والفاء في قوله (( فأتوا ) )تفيد الترتيب والتعقيب، ومعنى ذلك أنه لم يمض وقت طويل بعد خروجهم من البحر ونجاتهم من الهلاك، حتى عادوا إلى الوثنية التي ألفوها وألفوا الذلّ معها، وهذا يدل على أن الإيمان لم يخالط بشاشة قلوبهم، ولم يتمكن من ضمائرهم ومشاعرهم [2] ،
ولكن موسى عليه السلام بقوة إيمانه ورسوخ عقيدته ردّهم بعد أن كانوا على وشك الكفر.
وإلى هنا لم ينته المشهد، ولم يمض وقت طويل، حتى كانت الردّة الصارخة ممثلة في (عبادة العجل الذهبي) ، والذي جاء ذكره في القرآن الكريم في سورة (البقرة) [3] وفي سورة (طه) [4] ، وورد ذكره أيضًا في توراتهم [5] . فما أن خرج موسى عليه السلام لميقات ربه حتى عادوا إلى ما ألفوه من الكفر والوثنية في مصر، يقول سبحانه وتعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [6] .
(1) سورة الأعراف، آية 139:138
(2) تفسير الطبري 13/ 84:80، تفسير ابن كثير 3/ 465:464، تفسير المنار 9/ 99:91
(3) آية 92
(4) آية 98:83
(5) سفر الخروج، اصحاح 32، مقطع 28:1
(6) سورة الأعراف، آية 149:148