فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 448

وليس هناك من شك أن هذا كان بسبب تأثير الديانة المصرية على بني إسرائيل، ذلك أن عبادة العجل في مصر كانت عميقة الجذور في التاريخ الفرعوني، وأحبّ بنو إسرائيل تقليدهم في ذلك"لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم منذ كانوا في مصر، وظلوا زمنًا طويلًا يتخذون هذا الحيوان القوي آكل العشب رمزًا لإلههم وإنا لنقرأ في سفر الخروج (الاصحاح 32 المقطع 25 - 28) كيف أخذ اليهود يرقصون وهم عراة أمام العجل الذهبي، وكيف أعدم موسى واللاويون ثلاثة آلاف منهم عقابا لهم على عبادة هذا الوثن" [1] .

لم تكن (عبادة العجل) بالنسبة لبني إسرائيل مجرّد حدث عابر، بل أن الله قال عن ذلك {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} [2] ،"فهي صورة فريدة. لقد أشربوا بفعل فاعل سواهم. أشربوا ماذا؟ أُشْرِبوا العجل! وأين أُشْربوه؟ أُشْربوه في قلوبهم! ويظل الخيال يتمثل تلك المحاولة العنيفة الغليظة، وتلك الصورة الساخرة الهازئة. صورة العجل يدخل في القلوب إدخالًا، ويحشر فيها حشرًا، حتى ليكاد ينسى المعنى الذهني الذي جاءت هذه الصورة المجسّمة لتؤديه، وهو حبهم الشديد لعبادة العجل، حتى لكأنهم أشربوه إشرابًا في القلوب!" [3] .

وهكذا عاش بنو إسرائيل يعبدون العجول المعدنية، وكان وجه العجل هو الوجه المفضّل الذي يرمزون به إلى ربهم (يَهْوه) [4] .

وتعظيم (العجل) في قلوبهم هو الذي دعا موسى عليه السلام حين حدثت مشكلة الغلام المقتول أن يأمرهم بذبح بقرة، قال أبو حيان:"وإنما اختص البقر من سائر الحيوانات؛ لأنهم كانوا يعظمون البقر ويعبدونها من دون الله، فاختُبروا بذلك؛ إذ هذا من الابتلاء، وهو أن يؤمر الإنسان بقتل من يحبّه ويعظّمه" [5] .

(1) ديورانت، مرجع سابق، 2/ 338

(2) سورة البقرة، آية:93

(3) سيد قطب، مرجع سابق، 1/ 91

(4) غوستاف لوبون، مرجع سابق، ص 61

(5) أبو حيان، مرجع سابق، 1/ 404

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت