فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 448

وهذا المعنى هو ما أكده المودودي بقوله:"كان بنو إسرائيل في فترة إقامتهم بمصر جيرة قوم يعبدون البقر، ويبذلون لها كل تعظيم وتقديس، ومن هنا تعدى هذا المرض إليهم واستشرى فيهم فأمروا أن يذبحوا بقرة" [1] .

يقول ابن القيّم:"والظاهر أن هذه القصة كانت بعد قصة العجل؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان، الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي، لا يصلح أن يكون إلهًا معبودًا من دون الله تعالى، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل" [2] .

فالغاية إذًا الذي قصدها موسى عليه السلام هو إخراج تقديس البقر من قلوبهم، لتبقى عبادة الله وحده لا شريك له.

والملاحظ أيضًا أن (البقر) وما تصرف منها من عائلتها (الثور والعجل) ، كل ذلك رمز للغباء، وكثيرًا ما يشبّه الغبي بالثور أو البقرة، وكذلك عابدوها، فإنهم قد بلغت بهم عقولهم من الانحطاط والغباء والعمى والجهالة إلى أبعد الحدود.

ولم تقف عقولهم عند هذا الحدّ من الغباء، بل ساروا يقلّدون الأمم في كل عبادة سخيفة - كما سيمر معنا - وتمادوا حتى أصبحوا يعبدون كل جديد وكل مسروق من الأصنام، وإذا نظرنا في (سفر القضاة) نجد في خاتمته قصة مثيرة للاهتمام تدلّ بكل وضوح على المدى الذي بلغته عقول بني إسرائيل في عبادة الأوثان، فقد جاء فيه أن رجلًا من (افرائيم) اسمه (ميخا) ، أخذ ألف ومائة مثقال فضة من أمه، فردها عليها فأخذت أمه مئتي مثقال منها ودفعتها إلى الصائغ فعملها صنمًا منقوشًا، وكرس (ميخا) يد أحد بنيه فصار له كاهنًا، ثم أخذ (لاويًّا) فكرس يده وجعله كاهنًا له. وكان (بنو دان) أرسلوا رجالًا ليجسّوا الأرض، ويوسعوا ميراثهم، فباتوا في بيت (ميخا) ،

(1) المودودي، أبو الأعلى، تفهيم القرآن، تعريب: أحمد يونس، ط 1، (الكويت: دار القلم، 1398 ه- 1978 م) ، 1/ 85

(2) يسري السيد محمد، بدائع التفسير الجامع لما فسره الامام ابن قيم الجوزية، ط 1، (السعودية: دار ابن الجوزي، 1427 ه) ، 1/ 320

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت