فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 448

المطلب الثاني: توهّم الصراع بين الدين والسياسة

على الرغم من أن السياسة جزء من الدين في كل الشرائع السماوية التي لم يدخلها التحريف، إلا أننا نجد من أصابت أذهانهم لوثة (العلمانية) ، وتشربت قلوبهم مبادئها، دائمًا ما يتوهمون الصراع بين الدين والسياسة، ويقحمون ذلك في تفسيرهم للتاريخ بكل فضاضة.

ولم يسلم تاريخ طالوت السياسي من التحريف في موقفه من (النبي) عليه السلام فهذا موسكاتي مثلًا يقول:"لم يلبث شاؤل أن اصطدم بالكهنة، وكان هذا هو السبب الرئيسي لسقوطه ومجئ داود بعده. وقد أدرك داود وسليمان القوة المركزية الدينية وسلطة الكاهن الأكبر، فاتبع السياسة التي يتبعها الملوك والأباطرة دائمًا في مثل هذه الأحوال، وذلك أن بسطا حمايتهما على الدين، وألحقا الكاهن الأكبر ببلاطهما، وجاهدا ليجعلا الهيئة الدينية إدارة من إدارات الدولة" [1] .

وهو مع ذلك يغفل عن أن داود وسليمان عليهما السلام كانوا أنبياء، وكانوا أكبر مصدر للسلطة التشريعية في زمانهم، فما حاجتهم إلى مداهنة الكهنة، وهم حماة الشريعة والملّة أصلًا، ثم يمضي موسكاتي بالقول عن جميع الأنبياء:"وكان يميز دعوتهم العداء للتطور السياسي الديني الذي شهده عهد الملكية، وأدى إلى تلّوث دين يهوه القديم وفساده. وقد ندّد الأنبياء بالبدع الوثنية؛ وبذلك عارضوا السلطة الملكية معارضة صريحة. وقد لاحظ العلماء بثاقب نظرهم أن هذه النبوة تعبير عن انبعاث روح الحرية الموروثة عن حياة البداوة، تلك الروح التي رأت في الملكية بدعة منكرة، ونظامًا منقولًا عن العالم الخارجي المعادي لإسرائيل" [2] .

وربّما بالفعل نشأت نظرية الصراع والصدام بين الدين والسياسة، حينما انحرفت الديانة الموسوية الصحيحة، وحينمل تسلّط الملوك عليهم واستكبروا عن أوامر الله، ولكن ذلك لم يحدث في تاريخ اليهود وإلا بعد قرون من عهد الملك (طالوت) .

(1) موسكاتي، مرجع سابق، ص 142

(2) مرجع سابق، ص 145

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت