أما الملوك الأوائل فقد كانت نظرة الأنبياء لهم أنهم منحة من الله وخير وبركة للشعب، أما حينما تحوّل الملوك إلى حكّام وطغاة مستبدين فقد كان يرى فيهم كل المجتمع الإسرائيلي أنهم لعنة حلت بهم، ومصيبة حاقت بدارهم. ولذلك حاول رجال الدين الاسرائيلي -المحرّف آنذاك- أن يوجّهوا الحكم السياسي بالوجهة التي تروق لهم؛ وبالتالي حرّفوا حتى نصوص الكتاب المقدس، وخصوصًا (سفر صموئيل) ، وحذّروا أشد التحذير من قيام النظام الملكي [1] .
قال (الطبري) :"فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل" [2] .
وقال (ابن الأزرق) :"ما من دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه، وغيرت سننه، كما أن السلطان إذا عري عن الدين، كان سلطان قهر ومفسد دهر" [3] .
وعلى حدّ زعم كتابهم المقدس، فقد ذكروا في أسفارهم المتأخرة أن الأنبياء كثيرًا ماكانوا يثيرون سخط الملوك، بسبب السلطة التشريعية التي كان بنوا إسرائيل يعترفون لهم بها [4] .
هذا ما يمكن أن يبرّر به مقالة من توهّم الصراع بين الدين والسياسة، وأنه ناشئ من الخلط بين متقدّمي الأنبياء والملوك من بني إسرائيل، وبين متأخّري الكهّان المحّرفين والحكام المستبدّين.
أما ما لا يمكن تبريره بحال ٍمن الأحوال، أن يأتي من يزعم أن النبي (صموئيل) عليه السلام هو واضع أسس العلمانية! ومن النماذج الصارخة فيمن زعم ذلك الحاخام اليهودي (م. ص. سيجال) [5] حيث قال:"لكن صمويل قد أحدث تغييرًا جوهريًا في"
(1) فؤاد حسنين، مرجع سابق، ص 170 (بتصرف) .
(2) جامع البيان، مرجع سابق، 5/ 297
(3) بدائع السلك، مرجع سابق، ص 109
(4) بيومي، مرجع سابق، 4/ 655
(5) هو أستاذ دراسات العهد القديم في الجامعة العبرية، وأحد أكبر الباحثين المتخصصين في شروح التوراة من اليهود المعاصرين.