تنظيم الشعب الإسرائيلي، نتج عنه إصفاق أثر النبوة في حياة الأمة، فهو قد نصّب في إسرائيل ملكًا، فأخرج الملك قيادة الأمة من يد النبوة ووضعها في صولجان الملك.
وهكذا حوّل الملك أسباط إسرائيل إلى أمة عسكرية مدينة يرأسها قائد عسكري مدني، أي انتقل بها من الأساس الديني إلى الأساس العلماني، وبهذا انتهى أمر إسرائيل كأمة ثيوقراطية (دينية الحكم) ، وكشعب مختار، الله ملكه والنبي قائده، وأصبح دولة علمانية ككل الدول المجاورة، على رأسها ملك علماني بشر من لحم ودم، ولها تطلعات سياسية؛ ومطامع أسرية في الملك.
والحق أن هذا الانتقال في قيادة الأمة من النبوة إلى الملك لم يقع طفرة واحدة، وبلا صراع قاسٍ بين الملك الأول (شاؤل) ونبي هذه الفترة (صموئيل) ، وإن كان هذا الصراع قصير الأجل، إذ بموت صمويل لم يعد في إسرائيل نبي قادر على منافسة الملك في القيادة" [1] ."
ونحن بدورنا لا نملك أن نقول أمام هذا الإدعاء الفاحش إلا: سبحانك هذا بهتان عظيم. ولا ندري كيف استنتج هو وأمثاله هذه الفكرة السقيمة، التي ليس عليها أي دليل من توراتهم المحرّفة، فضلًا عن التوراة التي أنزلها رب العالمين.
بينما القرآن ينصّ صراحة إلى أن اختيار الملك كان باصطفاء من الله، فهل من المعقول أن ينتخب الله ملكًا ليخّرب شريعته؟ ويرمي بالقوانين الإلهية ليستبدلها بقوانين أرضية؟ حاشا طالوت من ذلك. وماذا عساه سيقول عن داود وسليمان الملكَيْن النبيَيْن!
وبالمقابل نجد اتجاهًا آخر من الباحثين اليهود، يرون أن الله هو الذي اختار الملك، وأن الله هو الذي يمدّه بالسلطان والعدالة، وهو يحكم بفضل الله، بل أنهم بالغوا أيضًا
(1) سيجال، حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل، ترجمة: حسن ظاظا، الكتاب يقع ضمن مجموعة كتب تحت عنوان: أبحاث في الفكر اليهودي، حسن ظاظا، ط 1، (دمشق: دار القلم- بيروت: دارة العلوم، 1407 ه - 1987 م) ، ص 89