مما لا شك فيه أن العامل الاقتصادي كان وما زال العنصر المحرك والفعال للكثير من المشاكل والحروب على وجه هذه المعمورة، وبلاد الشام (ساحة التنافس) تتمتع بمزايا اقتصادية كبيرة جعلتها محط أنظار الطامعين منذ أقدم العصور، إلا أن بني إسرائيل لم يستفيدوا من تلك الموارد سوى ما ملأ بطونهم، وكان موضوعًا بين أيديهم.
غير أن تطور الاقتصاد اليهودي من الرعي إلى الزراعة، أدى إلى تبلور نظم جديدة، فسرعان ما تلاشت الملكية الجماعية، وظهرت تدريجيًا الملكية الفردية، وبدأ يشعر اليهودي بحقّه في البقاء في الأرض هو وأولاده من بعده.
ولم يكونوا يتقنون الصناعة أو حتى مجرّد التفكير بها، ولم يوجد في إسرائيل حرفيون مهرة في كثير من الفنون، فقد كان بنو إسرائيل عاطلين من العمال المهرة [1] .
ولم يجاوز بنو إسرائيل طبائع أمم الزراع والرعاة إلا قليلًا جدًا، منذ عهد (طالوت) وما بعده، أما قبل ذلك فلم يكادوا يفرّقون بين الحرف والمهن. وتوزيع الأعمال يحدده مهارة العامل في مادة واحدة، ويؤدي إلى تحسين الصناعة، ويسهل ازدهار المهنة، وما كان العبريون ليسيروا بهذا التوزيع إلى الحدّ الذي ينالون به مثل هذه النتائج.
وماكان عمل أبطال بني إسرائيل -قبل قيادتهم إلى النصر- غير الرعي والزراعة، فقد كان (طالوت) يبحث عن أُتُن [2] أبيه، حينما أخبره صموئيل بأنه سيكون ملكًا. واجترأ داود على الحرب بردّه الضواري التي أتت لمهاجمة ماشيته، حينما كان راعيًا [3] .
فالصورة العامة لليهود في التوراة قبل عهد طالوت هي صورة شعب إما بدوي أو زراعي بالدرجة الأولى، ولم يكن لهم مساهمة حتى في التجارة بسبب التركيب القبلي
(1) بيومي، مرجع سابق، 4/ 666 (بتصرف) .
(2) أُتُن: جمع أتان، وهي أنثى الحمار. انظر: ابن منظور، محمد بن مكرم أبو الفضل جمال الدين الأنصاري الإفريقى، لسان العرب، ط 3، (بيروت: دار صادر، 1414 هـ) ، مادة (أت ن) ، 13/ 6
(3) غوستاف لوبون، مرجع سابق، ص 65 - 66