يختار الله سبحانه وتعالى ويهيء لبني إسرائيل في كل مرحلة من مراحل الزمن قائدًا مناسبًا لتلك المرحلة، ومتوافقًا مع ما تقتضيه طبيعة المجتمع الإسرائيلي وبحسب حاجة الأمة، وإذا جئنا في تحليل كل شخصية من شخصيات القصّة القيادية فإننا سنكتشف ما يؤكد ذلك، وهذا بيان كل شخصية قائدة في الحدث:
أولًا: النبي (صموئيل) عليه السلام:
حينما يبعث الله أحد الأنبياء فإن دعوته لا تخضع لعوامل نفسيّة داخلية، أو حوادث وقتيّة خارجية، ولا يدير رسالته حيث دارت الأحوال والأوضاع وشاء المجتمع. فهو لا يستطع بحال من الأحوال أن يغيّر أو يبدّل أو يحوّر أو يعدّل شيئًا من رسالته، ومن أحكام الله.
وهذه هي السمة الفاصلة الأساسية المميزة بين الأنبياء صلوات الله عليهم وبين القادة والزعماء والذين تكون رسالتهم وكفاحهم وحي بيئتهم وثقافتهم ومشاعرهم، واستجابة للقلق الذي يساور المجتمع، ونجد أن القادة والملوك من غير الأنبياء يراعون الظروف والأحوال، ويلاحظون المصلحة والسياسة، ويخضعون لها في كثير من الأحيان فيتنازلون عن أشياء كثيرة، وقد يتساومون مع المعارضين ويتبادلون معهم المنافع والأدوار. ومبدأ كثير من هؤلاء: دُرْ مع الدهر كيف هو دائر [1] .
فلم يكن النبي (صموئيل) عليه السلام ليقع أبدًا في (المداهنة) في دهاليز السياسة، ولم يكن ليراعي إلا المصلحة الشرعية. ولم يكن يرى منه بنو إسرائيل سوى الأخذ بالعزائم، لا الأخذ بالرّخص والتجوّز في بعض الأبواب.
كما أن وضع بني إسرائيل الفوضوي لم يكن مستعدًا لتقبّل فكرة (الملكية) في بداية عهد (صموئيل) ؛ إذ لم يكن يمارس النبي عليه السلام سوى دور الموجّه والقاضي في شئون النزاع فقط، ولو قدّر أن بعث الله ملكًا في ذلك الوقت، لقتله بنو إسرائيل من
(1) الندوي، مرجع سابق، ص 33:32