فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 448

ثانيًا: وضع الاختبارات القياسيّة للتدريب:

وكان من الأمور الهامّة التي رأى (طالوت) باجتهاده أن يقيمها، اختبار (النّهر) : (( قال إن الله مبتليكم بنهر ) )، وقد نسب هذا الاختبار إلى الله سبحانه وتعالى، مع أنّ الصحيح أن ذلك كان باجتهاد منه لمصلحة رآها في ذلك، وذلك لأمرين:-

1/ أن الله أوجب طاعة القائد وولّي أمر المسلمين فيما يأمرهم به، فكأن طاعة الأمير من طاعة الله.

2/ أن المجتهد يصحّ له أن يقول فيما يظهر له باجتهاده أنه دين الله.

وقد سمّاه طالوت (ابتلاء) لتقريب المعنى لعقولهم، وحتى يعطوا الاختبار مزيدًا من الاهتمام [1] .

وقد كان هذا الاختبار اختبارًا شاقًا بالنسبة لبني إسرائيل الذين اعتادوا على أن يحصلوا على كل شيء بسهولة، لأن الله سبحانه -في اعتقادهم- يعينهم على كلّ أمور حياتهم، فهم -كما زعموا- أبناء الله وأحباؤه.

ولقد كان بنوا إسرائيل في شدة العطش وكانوا يترقبون وجود ماء في الطريق الطويل، فلمّا وصلوا إليه وكان الماء أمام أبصارهم وبين أيديهم، وهدير ماء النهر يصكّ ويملأ أسماعهم؛ بل وذاقوا عذوبته لما سُمح لهم بأخذ غَرفْة منه، وربما لامس أبدانهم أيضًا؛ إذ أنهم لم يُمنعوا من الاغتسال منه وفيه، فأحسّت أجسادهم نداوته و طراوته، وغمرت أنوفهم رائحة الحياة التي في قطراته. وفوق كل ذلك كانوا في وقت حرّ وقيظ شديدين [2] ."وهذا أشدّ في التكليف مما ابتلى به أهل أيْلة من ترك الصيد يوم السبت، مع إمكان ذلك فيه، وكثرة مايرد إليهم فيه من الحيتان" [3] .

(1) ابن عاشور، مرجع سابق، 2/ 496 (بتصرّف) .

(2) البغوي، مرجع سابق، 1/ 301؛ الألوسي، مرجع سابق 2/ 169؛ السمرقندي، مرجع سابق، 1/ 219؛ الثعلبي، مرجع سابق، ص 151

(3) أبو حيّان، مرجع سابق، 2/ 275

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت