ولم يضع طالوت هذا الاختبار من أجل استفزاز جنوده، أو تحدّيهم، أو لشهوة في نفسه لاستعبادهم وإذلالهم -كما يفعل الطواغيت-، ولكن كان ذلك لمصالح وأسباب عظيمة، لا يدركها إلا من سَبَر أغوار هذا القرار، ونظر إلى نتائجه وتداعياته، ولعلّ أهم تلك الأسباب:-
أ/ أن من لم يستطع تجاوز هذا الاختبار فلن يستطيع تجاوز ما بعده، والذي هو أكبر منه ألا وهو الإبتلاء بالمواجهة الحقيقيّة؛ إذ أن"فتنة اللقاء يبحر الجيش وما فيه من أعظم الخطر المزلزل للقلوب" [1] .
وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وقته، وتحصل به مشقة أشدّ وأكبر [2] . فإخراج مثل هؤلاء الناكلين قبل المواجهة أهون من تراجعهم أمام العدو، فيفتّ ذلك في عضد الجيش وقت بدء المعركة، وأما الذين ذهبوا وجاوزوا الامتحان فقد انطلقوا وهم يعملون مقدار قوّتهم وعددهم، فأخذوا ذلك في حسبانهم.
ب/ من أجل معرفة مقدار الثقة بقائدهم الملك طالوت، ومدى استجابتهم له، فمن أطاعه هنا كان حريًا به أن يطيعه في الميدان، ومن عصاه فهو بالعصيان في سائر الشدائد أحرى [3] . خصوصًا وأن بني إسرئيل قد بدا منهم كره لملك طالوت عليهم في أول الأمر، ثم أذعنوا من بعد، وكان إذعانهم ورضاهم بطالوت مما لا يُعلم إلا بواسطة الاختبار؛ فاختار طالوت من بين الجند المطيع الذين يرجى منه الصبر في القتال، والثبات في معامع النزال. ونفى من الجند من ظهر عصيانه، وخشي في الوغى خذلانه.
(1) البقاعي، مرجع سابق، 2/ 432
(2) ابن سعدي، عبد الرحمن بن ناصر، تفسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، ط 1، (دمشق: مؤسسة الرسالة، 1420 ه- 2000 م) ، ص 108 (بتصرف) .
(3) الشوكاني، مرجع سابق، 1/ 292 (بتصرف) .