فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 448

المطلب الثاني: السياق التاريخي في سورة البقرة لقصة طالوت

قد جاءت القصة متناغمة مع الأحداث التاريخية في سياق ترتيب الآيات، فقد بدأت بقصة آدم واستخلافه في الأرض، وبدء البشرية والدور المنوط بها في إصلاح الأرض ودفع الفساد ثم"جاءت التجربة الأولى للصراع والمدافعة بين قوى الشر والفساد ممثلة في إبليس، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان" [1] .

ثم جاء بعده الحديث عن أمة بني إسرائيل في عهد موسى عليه السلام، والذي أوكلت إليهم مهمة القيام بهذا الدين، وذكرت الآيات عهد الله معهم ونكثهم له، وبيّنت كيف أن الله سبحانه هيّأ لهم كل أسباب التمكين وموجبات النصر، وأغدق عليهم من النّعم ما لا يجحده عاقل، ومن أهمها نعمة الإنجاء من بطش فرعون، ونعمة الطعام والشراب، ونعمة قبول التوبة .. والتي مؤدّاها الأمن بعد الخوف، والشبع بعد الجوع، والرضا من الله بعد السخط. وهي ثلاث ركائز إذا توفرت في أمة ولم تستفد منها لتحقيق التمكين، كان حقًا على سنن الله التي لا تحابي احدًا أن ترمي بهم في مزبلة التاريخ، ورميم الأمم.

وهذا ما حلّ فعلًا بأمة بني إسرائيل، فقد أتْبعوا نعم الله جحودًا بها، وارتكبوا من الاعتداءات المتتالية والمخالفات الشنيعة، وصبغوا ذلك بصبغة اللجاج وكثرة الخصام، فجاء اعتداؤهم يوم السبت، وجاءت مخالفتهم في قصة البقرة، إلى أن جاءت النتيجة الواضحة أن هذه أمة ميتة، ماتت قلوبهم وقست، حتى أضحت كالحجارة أو أشد قسوة، كل ذلك بتفصيل طويل في الآيات [40 - 79] .

وترتب على هذا حرمانهم من التمكين، وكتبت عليهم الذلة عشرات السنين .. ووصل بهم الحال بعد ذلك إلى قاع القاع في الذلة حتى صاروا في حكم المَوات {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا} .

(1) مرجع سابق، ص 116

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت