لقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين سورتي البقرة وآل عمران في بعض أحاديثه الشريفة؛ حيث وصفها بالزهراوين، وأنه يؤتي بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمهم سورة البقرة وسورة آل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما.
ومثل هذه الأحاديث التي تجمع السورتين في سياق واحد كأنهما توأمان يؤديان في تكامل ذات المهمة. وقد ذكر السيوطي أن بين سورة آل عمران وسورة البقرة اتحادًا وتلاحمًا متأكّدًا [1] .
وبعد تأمل الباحث في السورتين وجد أن هناك خيطًا رفيعًا مشتركًا بينهما بقوة، ألا وهو محور المدافعة، وحتى لا أكون مبالغًا في كلامي، أو أن أرمي برأيي جزافًا، فإني أستدل على ذلك بأوجه واضحة من التشابه بين السورتين حول قضية المدافعة:
أولًا: في الصراع بيننا وبين بني إسرائيل نلحظ التالي:-
أ/ سورة البقرة تذكر تاريخ بني إسرائيل إلى عهد موسى عليه السلام، ومن بعد عهده إلى زمن طالوت وداود عليه السلام، ثم تجيئ سورة آل عمرآن لتكمل هذه السلسلة، وتقص علينا أنباء آل عمران إلى عهد عيسى عليه السلام.
ب/ سورة البقرة يغلب عليها طابع الدعوة والتوجيه، فهي تدعو بني إسرائيل وترشدهم إلى أن يثوبوا إلى رشدهم، وإن كانت هذه الدعوة والتوجيه لا تخلوا في كثير من الأحيان من اللوم والتعنيف؛ بينما سورة آل عمرآن تنبه المسلمين إلى كيدهم، وتحذرهم من شرّهم، وتكشف لهم ما يبيّتون لهم حتى يكونوا على حذر منهم [2] .
(1) السيوطي، عبدالرحمن بن أبي بكر، تناسق الدرر في تناسب السور، تحقيق: عبدالقادر عطا، ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1406 ه-1986 م) ، ص 73
(2) سبحاني، محمد عناية الله أسد، البرهان في نظام القرآن (نظام سور: الفاتحة والبقرة وآل عمرآن) ، ط 1، (جدة: دار الكتب، 1414 ه - 1994 م) ، ص 594 (بتصرف) .