بطبعه إليها، ويتفلّت منك ليقتحم فيها، وهذا شأن البشر في كل ما يألفونه ويجرون عليه من خير وشر، وإيمان وكفر" [1] ."
وهذا الكلام قد قرره من قبل ذلك (ابن خلدون) ، وهي من قواعد علم الاجتماع، فقد بيّن"أن من عوائق الملْك المذلّة للقبيل، والانقياد إلى سواهم، وسبب ذلك أن المذلة والانقياد كاسران لسَوْرة العصبيّة وشدتها، فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئِموا للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، فأولى أن يكون عاجزًا عن المقاومة والمطالبة."
واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام، وأخبرهم بأن الله قد كتب لهم ملها، كيف عجزوا عن ذلك وقالوا {قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ} [2] ... وما ذلك إلا لما أنِسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة ... وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد، وما رئموا من الذل للقبط أحقابًا، حتى ذهبت العصبيّة منهم جملة ... فأقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلًا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة، لما حصل لهم من خلق المذلة" [3] ."
إنها رحلة مضنية شاقة يقطعها اليهود، رحلة تشريد وضياع بين الأمم، رحلة ممزوجة بالذلة والمسكنة أينما حلّوا وارتحلوا، ولم يرجعوا من كل ذلك سوى بالعقوبة الفادحة -وباؤوا بغضب من الله-، ولم يكن لهم من طريق لرفع هذه المهانة إلا احد سبيلين: إما بحبل من الله بالعودة الصادقة والتوبة الناصحة، و اجتماع الكملة كما حدث في عهد طالوت. أو بحبل من الناس الذين يحمون مصالحهم، ويتسترون على جرائمهم، ويدافعون عنهم؛ كما هو حال (أمريكا) اليوم مع الدولة المسمّاة (إسرائيل) .
(1) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 6/ 337
(2) سورة المائدة، آية 22
(3) ابن خلدون، مرجع سابق، 1/ 176، بتصرف يسير