الذي بناه إبراهيم عليه السلام، بل حتى أنه امر الناس في مصر باتخاذ منازلهم قبله: {وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [1] ، ولم يأمرهم بالتوجّه في الصلاة إلى المسجد الأقصى.
ولما جاءه الوحي أول ما نبيء عليه السلام، وكان بـ (الواد المقدس طوى) ، لم يؤمر بالذهاب لبيت المقدس مع أنه كان قريبًا منه.
ولما خرج موسى عليه السلام من (مصر) مع بني إسرائيل فرارًا بدينهم، فيما يسمى بـ (الخروج الكبير) لم يكن هدفه الذهاب لبيت المقدس، ولا أنبنأهم أصلًا عن مكانه. وغاية ما هنالك أنه بعد مرور سنوات، أمرهم موسى عليه السلام بدخول أرض فلسطين بشكل عام، وذلك بالانتقال من شرق نهر الأردن إلى غربه، ولكنهم لم يفعلوا: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [2] .
ولما حانت وفاة موسى عليه السلام لم يتمّن سوى أن يدنيه الله من هذه الأرض المقدسة بمقدار (رمية بحجر) ، قال محمد صلى الله عليه وسلم تعقيبًا على ذلك: {فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر} [3] ، ولم يتمنّ الموت في بيت المقدس، أو أن تكتحل عيناه عليه السلام برؤية المسجد الأقصى.
الدليل الرابع: في عهد يوشع بن نون عليه السلام، وهو العهد الذي دخل فيه بنو إسرائيل الأرض المقدسة، واستطاع يوشع عليه السلام أن يفتتح كثيرًا من المدن المهمة، إلا أن أعظم فتوحاته لم يكن (أورشليم) ولا اقترب منها، وإنما كان (أريحا) [4] ، التي كانت تمثل في ذلك الوقت قاعدة الشام [5] ،كما أنها كانت أكثر المدن
(1) سورة يونس، آية:87
(2) سورة المائدة، آية 21
(3) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة، برقم 1339، 1/ 410؛ ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضائل موسى عليه السلام، برقم 372، 4/ 1842
(4) أريحا: هي أقدم مدن فلسطين، وتبعد عن القدس 37 كم. (المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، مرجع سابق، مادة: أريحا) .
(5) ابن خلدون، مرجع سابق، 2/ 33