وسلط الله على بني إسرائيل العقوبات، مرة بالقتل، ومرة بالسبي وخراب البلاد، ومرّة بجور الملوك، ومرة بمسخهم قردة وخنازير .. وهاهنا بعث الله على بني اسرائيل قومًا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار، ونهبوا الأموال [1] .
"قال وهب والكلبي: إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل، والخطايا عظمت فيهم، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيرًا من ذراريهم" [2] .
وهذا الأمر من سنن الله المطردة في بني إسرائيل، فقد قال سبحانه {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [3] كما أن الوقائع التاريخية تؤكد في جملتها أن تسليط الله لبعض عباده على اليهود سنة مطردة. [4]
وقد جاءت في سورة (الإسراء) آيات عظيمات تحدثت عن حال اليهود وإفسادهم فقال سبحانه:
{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) } [5] ففي هذه الآيات دلالة كبيرة على السنة الربانية وهي: أن الفساد في الأرض عاقبته الدمار، وتخريب الديار، وأن الإحسان والطاعة عاقبتها التمكين في الأرض و تتابع النعم.
(1) ابن القيم، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، المعروف ب (ابن القيم الجوزية) ، الداء والدواء، تحقيق: علي حسن الحلبي، ط 6، (السعودية: دار ابن الجوزي، 1423 ه) ، ص 67 (بتصرف) .
(2) الرازي، مرجع سابق، 6/ 184
(3) سورة الأعراف، آية 167
(4) مصطفى مسلم، معالم قرآنية في الصراع مع اليهود، مرجع سابق، ص 175
(5) سورة الإسراء، الآيات 8:4