هو التحذير من التوكّل على الأمم الأخرى وتقليدها في سائر أمورها؛ حيث نصّ جمع من المفسرين منهم (العكبري) [1] و (الزجاج) [2] و (السمين الحلبي) [3] ممّن انصبّ اهتمامهم على المعاني اللغوية والإعرابية على أن أحد الأوجه الإعرابية هو أن يكون (ذرية مَن حملنا) مفعول به أول مؤخر، و (وكيلًا) مفعول به ثاني مقدّم، ويكون المعنى: (ألاتتخذوا ذرية مَن حملنا مع نوح من دوني وكيلًا) . فالأولى تفسير الذرية بجميع من في الأرض من بني آدم [4] .
ومرجع كل معاني (الوكيل) التي ذكرها أهل التفسير إلى شئ واحد،"وهو أن الوكيل: من يتوكل عليه، فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخيرة ويدفع الشر. وهذا لا يصلح إلا لله وحده جلّ وعلا. ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه، لأنه لا نافع ولا ضار ولا كافي إلا هو وحده جل وعلا" [5] . وهذا ما قصدناه من وقوع بني إسرائيل فيما حذرهم الله منه من اللّهات وراء الأمم الأخرى، وركونهم إليهم وتوكّلهم عليهم.
وانغمس بنو إسرائيل في حياة مدنية غير مألوفة، لا همّ لهم سوى إشباع نزواتهم وشهواتهم النزقة، وتركوا القتال في سبيل الله، وتوقف الزحف العسكري، ومالوا إلى الدعة والكسل، تائهة أبصارهم، ركنوا إلى خيال رخيص.
وهم مع امتزاجهم بالحضارات المجاورة إلا أنهم بقوا كما هم قومًا من الزراع والرعاة، بدويين، مندفعين في الخصام الوحشي الجاهلي، أي أنهم لم يكتسبوا من تلك الحضارات إلا قشرة رقيقة هشة، لا تلبث عند أول اختبار أن تتناثر [6] .
(1) العكبري، أبو البقاء عن عبد الله بن الحسين، التبيان في إعراب القرآن، تحقيق: علي محمد البجاوي، د. ط، (مطبعة عيسى البابي الحلبي) ، 2/ 812
(2) الزجاج، معاني القرآن وإعرابه، مرجع سابق، 3/ 226
(3) السمين الحلبي، أحمد بن يوسف، الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق: أحمد الخراط، د. ط، (دمشق: دار القلم) ، 7/ 310
(4) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير, ط 1، (دمشق: دار الخير, 1412 هـ) ، 4/ 282
(5) الشنقيطى، محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني، أضواء البيان في ايضاح القرآن بالقرآن، د. ط، (لبنان: بيروت، دار الفكر، 1415 ه - 1995 م) ، 3/ 12
(6) سعفان، كامل، اليهود تاريخ وعقيدة، د. ط، (القاهرة: دار الاعتصام) ، ص 16 (بتصرف) .