فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 448

فما الذي نفعهم من الخروج؟ إلا الذل والهوان فإنه"لن ينجي حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فرارًا من الموت طلبًا لطول الحياة، فعملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحد" [1] . ولكن الموت هنا ليس موت العزّ والفخار وإنما موت الذل والعار، فقد تركوا واجب الجهاد في سبيل الله والذي يقتضي التضحية ببذل النفس والنفيس، وآثروا الفرار ظنًا منهم أن ذلك سلامة الأرواح والأبدان؛ وذلك أن الجهاد في"أدق معناه هو تعرض النفس للتلف ليبقى المجموع، فهو إيثار بالنفس وبذل للمهج والأرواح" [2] .

وهل استمروا بعد إخراجهم في أمن وأمان؟ كلا بل زاد ذلّهم ذلًا، وتجرأت عليهم كل الأمم قتلًا وأسرًا وسبيًا."حكى السّدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة ... أنه لما غلبت العمالقة ... على بني إسرائيل، قتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وسبوا من أبنائهم جمعًا كثيرًا" [3] ، حتى ذكر الألوسي أنهم أسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين [4] ."وأذلّتهم الملوك من غيرهم ... وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم"، [5] والذي يعنينا أنهم بلغوا الغاية في الذل، حتى أن امرأة فنحاس [ابن الكاهن عالي] ولدت غلامًا بعد مقتل زوجها وحماها، (فقال لها من حولها: لا تخافي قد ولدت غلامًا، فلم تجبهم ولم تمل قلبها، وسمّت الصبي إيكابور، قائلة: قد انتقل المجد عن إسرائيل) [6] . قال يوسيفوس: إن معنى الكلمة عار وذل [7] .

(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، مرجع سابق، 1/ 661

(2) أبو زهرة، محمد، زهرة التفاسير، (القاهرة: دار الفكر العربي) ، 5/ 396

(3) ابن كثير، أبو الفداء اسماعيل الدمشقي، البداية والنهاية، ط 1، (القاهرة: دار الريان, 1408 ه) ، 2/ 7، بتصرف

(4) الألوسي، شهاب الدين محمود البغدادي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، د. ط، (بيروت: دار إحياء التراث العربي) ، 2/ 165

(5) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، مرجع سابق، 1/ 276

(6) سفر الملوك 1، الاصحاح 4

(7) الدّبس، مرجع سابق، 2/ 230

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت