فالموت في هذه الآيات - على ماذكره ابن عطية وجمهور المفسرين- هو على وجه الحقيقة لا المجاز، وقد استشكل بعضهم استخدام الآية بهذا اللفظ (( فقال لهم الله موتوا ) )ولم يقل (فأماتهم) ، وقد أجاب عن ذلك الزمخشري بأنه"إنما جئ به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة رجل واحد بأمر الله ومشيئته، تلك ميتة خارجة عن العادة كأنهم أمروا بشئ فامتثلوه امتثالًا من غير إباء ولا توقف" [1] .
وقد ذكر (أبو حيان) قولًا آخر فقال:"وقيل: معنى إماتتهم تذليلهم تذليلًا يجري مجرى الموت، فلم تغن عن كثرتهم وتظاهرهم من الله شيئًا، ثم أعانهم وخلصهم ليعرفوا قدرة الله في أنه يذل من يشاء ويعز من يشاء" [2] .
وعلى هذا القول مضى أبو الأعلى المودودي [3] ، وصاحب تفسير المنار الذي قال:"فمعنى موت أولئك القوم هو أن العدو نكل بهم فأفنى قوتهم، وأزال استقلالهم، حتى صارت لا تعدّ أمة، بأن تعرق شملها، وذهبت جامعتها، فكان من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين، ضائعين فيهم، مدغمين في غمارهم، لا وجود لهم في أنفسهم، وإنما وجودهم تابع لوجود غيرهم، ومعنى حياتهم هو عود الاستقلال إليهم" [4] .
وما ذهبوا إليه ينصره كلام ابن عباس رضي الله عنه السابق، وعلى كل حال فسواءً كان الموت على وجه الحقيقة أو المجاز، فإن العبرة الكبرى هي أن الذلّة لا ترفع بالفرار ولكن بالعودة والمواجهة، بدلًا من الخروج الجماعي وترك الأوطان،"وهذا أصعب شئ على النفوس، وهو أن يخرج من مسكن ألفه، ويفرق بينه وبين أبنائه، ولهذا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم حبّب لنا المدينة كحبّنا مكة أو أكثر [5] . وكثيرًا ما بكى الشعراء المساكن والمعاهد" [6] .
(1) الكشاف، 1/ 377 - 387
(2) أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي، البحر المحيط, تحقيق: عادل عبدالموجود - علي معوض, ط 1، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413 ه-1993 م) ، 2/ 260
(3) المودودي، مرجع سابق، 1/ 184
(4) محمد رشيد رضا، مرجع سابق، 2/ 458
(5) أصل الحديث في الصحيحين، فقد رواه البخاري في كتاب (فصائل المدينة) باب (كراهية النبي صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة) حديث رقم 1790، 2/ 667، ومسلم كتاب (الحج) باب (الترغيب في سكن المدينة والصبر على لأوائها) حديث رقم 1376، 2/ 1003
(6) أبو حيان، البحر المحيط، 2/ 268