وأما الكبر أثر من آثار العجب والبغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم, ترحلت منه العبودية ونزل عليه المقت فنظره إلى الناس شزر, ومشيه بينهم تبختر, ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا الإيثار ولا الانصاف, ذاهب بنفسه تيهًا, لا يبدأ من لقيه بالسلام, وإن ردّ عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه, لا ينطلق لهم وجهه, ولايسعهم خلقه, ولا يرى لأحدٍ عليه حق ويرى حقوقه على الناس, ولا يرى فضلهم عليه, ويرى فضله, لا يزداد من الله إلا بعدًا, ومن الناس إلا صغارًا أو بغضًا" [1] ."
وقد أشار بعض المفسرين إلى الهيبة التي كانت من صفات (طالوت) عند تفسير البسطة في الجسم [2] . فالمهابة الحقيقية التي اكتسبها (طالوت) لم تكن مظهرًا من مظاهر الخداع, الذي سرعان ما يتهاوى ويسقط القناع. بل كانت مهابة حقيقية, بسبب سلوكه بين أتباعه بالعدل, والقرارات الجريئة, وأخذه على يد المسيء ورفع المحسن ومطابقة قوله فعله وترفعه عن الدنيا وصغار الأمور, وعدم تبذله في الخطاب. كل هذه الأمور وغيرها مما ذكرناه سابقًا هي التي أكسبت (طالوت) المهابة, ويكفيه فخرًا أن الله اصطفاه على بني إسرائيل ليكون ملكًا قائدًا.
إن على القائد أن يضع نفسه دائمًا في الموضع اللائق بمكانته وقيادته, ولايتبذل وينزل لسفاسف الأمور, وإلا إنفرط منه عقد جماعته, وضاعت هيبته في نفوس الأفراد. ولذلك كان من الحفاظ على هيبة طالوت, أنه لم يتولّ الرد على أولئك المخذلين الذين قالوا: (( لا طاقة لنا اليوم ... ) )، وإنما جعل الناصحين يقومون بالرد عليهم, وهو لم يدخل معهم في جدال عقيم, ولا اتخذ معهم وسيلة التهديد والوعيد بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل متخاذل أو متهاون في تقديم آيات الطاعة والولاء. إنه تكامل من القائد وتوازن في تصرفاته, تجعل أفراده يجلّونه ويخافون قدره, وفي ذات الوقت بحبونه ويعلون شأنه.
ومن هنا كانت (الهيبه) صفه أساسية للقائد الناجح, يقول سيد قطب: طفلا بد للمربي من وقار, ولابد للقائد من هيبة, وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينًا لينًا,
(1) ابن القيم, الروح, مرجع سابق, ص 236
(2) أبوحيان, مرجع سابق, 2/ 267؛ الزمخشري, مرجع سابق, 1/ 288