فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 448

وممّا ألمحت الآيات بالاستنباط، أن طالوت عليه السلام لم يتخذ قرار الاستمرار بالعدد القليل لمواجهة العدد الكبير من جيش جالوت إلا بعد أن استشار أهل العلم والإيمان، وهذا يُفهم حينما قال المخذّلون: (( لاطاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) )، فكأنَّ طالوت صمت ولم يُجِب، وكان ينتظر رأي القلة المؤمنة الصابرة الذين رأوا الاستمرار في الجهاد بقولهم (( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) )، وحينما سمع طالوت رأيهم حسم قراره بمواصلة المسير.

قال ابن جماعة عن القائد:"يستحبّ أن يشاور أهل التجارب والرأي فيما أعضل، ويرجع إلى ذوي الحزم والعلم فيما أشكل، ويأخذ ماعندهم، فإن ذلك أقرّب إلى الحزم والظفر، وأبعد عن الخطأ والحظر. قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [1] ... وقيل: من كثرت مشاورته، حُمِدت إمارته. ولأن في المشهورة تطييب للقلوب، واجتماع الكلمة، وظهور الحُكم، وربّ رأي صحيح لا يبديه صاحبه قببل أن يُسأل عنه، ولا سيما مع الملوك والعظماء، لما في النفوس من مهابتهم وتعظيمهم، ولأن الأدب معهم يقتضي ذلك، فإذا بسطوا بساط المشاورة انشرح الصدر لإظهار الرأي. والحكماء يعدّون المشورة من أساس المملكة وقواعد السلطنة" [2] .

وإن من أخطر الأمور على الأتباع أن يعتقدوا أن القيادة تعرف كلّ شيء، وما على الأفراد سوى الانصياع؛ ولا شكّ أن هذا يضيّع العقول ويعطّل القدرات ويجفّف منابع التفكير لدى شرائح كبيرة، لو أعملت عقولها لربما أنتجت خيرًا من قيادتها، فالقيادات مهما بلغت هي بحاجة آراء وأفكار الأتباع للخروج بقرار رشيد [3] .

(1) سورة آل عمران، آية:159

(2) ابن جماعة، مرجع سابق، ص 168 - 169

(3) جاسم سلطان، النهضة .. من الصحوة إلى اليقظة، سلسة أدوات القادة، كتاب الكتروني: موقع مشروع النهضة (www.4 nahda.com) ، ص 139

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت