تحمله ملائكة الرحمن سكنت قلوبهم وهدأت وزال عنهم الخوف [1] . وحصل اليقين لهم بأن الله ناصرهم [2] .
وكان ذلك من أكبر الحوافز لهم على المسارعة في الجهاد [3] . قال عكرمة: (لما رأى بنو إسرائيل التابوت سارعوا إلى طاعته، والخروج معه) [4] .
وكان في إتيان الملائكة بالتابوت إشعار بأن الملائكة سيشاركون معهم في مقاتلة المشركين، وأن الله سيمدّهم بجند من ملائكته يعينونهم ويشدّون من أزرهم ويثّبتونهم. وقد كان بنو إسرائيل بحاجة كبيرة إلى هذه الدَّفعة المعنوية الكبيرة، خصوصًا وأن كثيرًا منهم قد سيطر عليه وباء الجبن المتأزم، والمتأصل في النفسية اليهودية، والذي يتولد معه انهيار كامل للمعنويات، وكان هذا الرعب كافيًا لإلحاق الهزيمة بهم.
وإلى جانب رفع المعنويات لبني إسرائيل، جاء بالمقابل انهيار المعنويات للأعداء بقتل طاغيتهم (جالوت) ، فقد انهارت معنويات جيشه إلى أبعد الحدود بعد هلاكه، وحاقت بهم الهزيمة: (( فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ) ).
إن الهدف الحيوي من الحرب، هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو، وحتى يكون النصر كاملًا ويؤدي لاستسلام العدوا لا بدّ من تحطيم معنوياته، وهي ما تسمى بـ (الحرب النفسية) التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى وقبل كل شيء [5] . وإن أهم هدف تسعى إليه الحرب النفسية قديمًا وحديثًا هو زرع الخوف في نفوس من توجه إليهم، لأن انفعال الخوف نفسيًا متعلّق بغريزة حب الحياة وكراهية الموت؛ والذي يترتب عليه الهرب في المعارك [6] . يقول (سون تزو) :"القتال والانتصار في"
(1) الرازي، مرجع سابق، 6/ 191 (بتصرف) .
(2) الشوكاني، مرجع سابق، 1/ 291
(3) الثعلبي، مرجع سابق، ص 150
(4) أبو حيان، مرجع سابق، 2/ 273
(5) خطاب، محمود شيت، بين العقيدة والقيادة، ط 1، (دمشق: دار القلم- بيروت: الدار الشامية، 1419 ه - 1998 م) ، ص 125 (بتصرف)
(6) النجار، فهمي، الحرب النفسية، ط 1، (الرياض: دار الفضيلة، 1426 ه- 2005 م) ص 74 (بتصرف)