في حين انقسم الكوفيون [1] إلى فريقين، فريق أجاز زيادة (مِنْ) مطلقًا في النفي والإيجاب وقبل النكرة أو المعرفة [2] وهذا يعبر عن منهجهم في القياس على القليل أو النادر وتعميم الحكم [3] واختار رأيهم ابن مالك (ت 672 هـ) بقول:"ولا يمتنع تعريفه - أي مجرور (من) - ولا خلوه من نفي أو شبهة وفاقًا للأخفش" [4] وفريق منهم [5] اختار أن يكون مجرورها نكرة دون أن تسبق بنفي أو بشبهه محتجين بما سمع عن العرب من قولهم: (قد كان من مطر) وبقوله تعالى: {يحلون فيها من أساور من ذهب} [6] .
وقد أوَّل البصريون [7] هذه الشواهد وغيرها تأويلات تبعدها عن الزيادة، وأنا مع الشروط التي وضعت لزيادة (مِنْ) ؛ لتحقيق الغرض من زيادتها وهو توكيد النفي على سبيل استغراق الجنس كله، وتنص على عموم النفي نفيًا شاملًا لا استثناء معه، ولا تخصيص فيه [8] .
قال السيرافي (ت 368 هـ) في دلالة زيادة (من) عند سيبويه:"وليس ذلك بمفسد لكلام سيبويه، لأن المتكلم إذا قال: (ما جاءني رجل) يجوز أن تنفي الجنس بهذا اللفظ كما تنفيه بقوله: ما جاءني أحد. فإذا أدْخَلَ (مِنْ) فإنّما يدخلها توكيدًا؛ لأنه لم يغير المعنى الذي قصده بدخول (مِنْ) ، وإنما تزاد (مِنْ) ، لأن فيه تأوّل البعض؛ لأنه قد نفي كل بعض للجنس الذي نفاه"
(1) رصف المباني / المالقي ص 391.
(2) همع الهوامع / السيوطي، 2/ 35.
(3) المدارس النحوية / شوقي ضيف، القاهرة، دار المعارف 1968 م ص 254.
(4) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد/ ابن مالك، تحقيق: محمد كامل بركات، القاهرة: دار الكتاب العربي 1967 م. ص 144.
(5) وقفة مع (من) الزائدة عند النحاة / منيرة محمود الحمود ص 204.
(6) سورة الكهف، آية 31.
(7) وقفة مع (من) الزائدة عند النحاة / منيرة محمود الحمود ص 204 - 205.
(8) من أسرار الزيادة في القرآن / علي النجدي ناصف ص 57.