فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 457

وهذه الرواية تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن كل لفظة في العربية وضعت لأداء دلالة وإثبات معنى. ونبين ذلك من خلال القرآن الكريم حينما يحدثنا عن أصحاب القرية التي جاءها رسل عيسى عليه السلام، فيقول تعالى: {واضرب لهم مثلًا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون* إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنَّا إليكم مرسلون * قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا رَبُّنا يعلم إنَّا إليكم لمرسلون} [1] .

أكد الخبر أولًا بـ (إن) والجملة الاسمية (إنا إليكم مرسلون) ،ولكنهم لمَّا أمعنوا في التكذيب، وأصروا عليه، وكذبوا الرسل، أُكد بـ (إنّ، اللام) (إنّا إليكم لمرسلون) والقسم الذي يُفهم من قوله"ربنا يعلم" [2] .

وبين الزركشي (ت 794 هـ) أن القصد هنا"إغاظة السامع بذلك الخبر" [3] .

وقد يستخدم التأكيد فيما لا شك فيه ولا إنكار، مما يطلق عليه في البلاغة:"إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر"، ومن ذلك قوله تعالى: {ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} [4] فالموت لا ينكره أحد من الخلق العقلاء؛ لأنه من الحقائق الظاهرة، التي تجري أمام أعيننا، في كل لحظة من ليل أو نهار، و لكن السياق البليغ نزل المخاطبين ليس منزلة من ينكر مجرد إنكار، بل منزلة من يبالغ في إنكاره، ومن ثم أكد لهم الخبر

(1) سورة يس، الآيات 13 - 16.

(2) البلاغة فنونها وأفنانها / فضل عباس ص 113، 114.

(3) البرهان في علوم القرآن / الزركشي 2/ 490.

(4) سورة المؤمنون، الآيتان 15، 16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت