عليه بر والديه، وصلتُه وذوي رحمه، والإحسان إلى جيرانه، وأصحابه، ومماليكه، ورعيته، ونحو ذلك من الأمور التي تتنوع فيها أعيان الوجوب وإن اشتركت الأمة في جنس الوجوب، وتارة تتنوع بالقدرة، والعجز، كتنوع صلاة المقيم، والمسافر، والصحيح، والمريض، والآمن، والخائف.
ثم ذكر أمثلة من فروض الكفاية، وأنها تتنوع تنوع فروض الأعيان، وأمثلة أخرى في الاستحباب، فقال: (فهذا وأمثاله يشبه تنوع شرائع الأنبياء، فإنهم متفقون على أن الله أمر كلاًّ منهم بالدين الجامع، وأن نعبد بتلك الشرعة والمنهاج، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كل مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به، إما إيجابًا، وإما استحبابًا، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم، ولا أخطأ أحد منهم، بل: كلهم متفقون على ذلك يصدق بعضهم بعضًا) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [1] : (والتوحيد أول الدين وآخره، فأول ما دعا إليه الرسول-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-: شهادة أن لا إله إلا الله) .
وقال أيضًا [2] : (وتوحيد الله إخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًا، بل: هو قلب الإيمان وأول الإسلام وآخره) .
ومرة قال [3] : (التوحيد الذي هو أصل الدين ورأسه، الذي لا يقبل الله عملًا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى:(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (سورة النساء، رقم الآية:48) ، ولهذا كانت كلمة التوحيد أفضلَ الكلام وأعظمه).
الذي أشرك مع الله، ومات على الشرك الأكبر عالمًا غير متأول (لنص شرعي على غير الوجه الصحيح جاهل بالمراد منه، هذا ما كان تأويله سائغًا، وهذا الأمر ناتج عن قصور في فهم النصوص الشرعية بعد بذل الوسع، فكان من هذا الوجه فوق الاستطاعة ... لأن الفهم شرط في التكليف) ، غير مكره، وهو ما يسمى بموانع التكفير [4] الأربعـ (ة) :
(1) -كما في: (مجموع الفتاوى) (8/ 34) .
(2) -كما في: (مجموع الفتاوى) (1/ 70) .
(3) -كما في: (مجموع الفتاوى) (3/ 400) .
(4) -قال الشيخ الحاج محمد أحمد في هامش: (أوَ يَكْفُرُ أحدٌ من أهل القبلة) (ص:41) : (الشائع التكفير، والصواب الإكفار، لأن التكفير يطلق على تكفير الذنوب والخطايا وتكفير الأيمان، قال ابن منظور في:(مادة: كفر) :"وأكفرتُ الرجلَ دعوته كافرًا، يقال: لا تكفر أحد-كذا عنده والصواب: أحدًا-من أهل قبلتك، أي: لا تنسبهم إلى الكفر."
ثم قال: وكفَّر الرجل نسبه إلى الكفر ... والكفر أربعة أنحاء:
1 -كفر إنكار بأن لا يعرف الله أصلًا، ولا يعترف به.
2 -وكفر جحود،
3 -وكفر معاندة.
4 -وكفر نفاق")."
وهذا الاستدراك ليس بشيء، لا يُسَلَّم له، لأن التكفير كما يطلق على تكفير الذنوب والخطايا والكفارات، يطلق على من وقع في الكفر-إذا اجتمعت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع-تنسبه إليه، واللفظة الواحدة في اللغة العربية قد تستعمل لمعان متباينة، منها لفظة: (التكفير) ، والسياق هو من يبين المراد منها، والشيخ الأمين نفسه خالف هذا التنبيه في الكتاب نفسه، والصحيح استعمال اللفظين كلاهما جائز: (التكفير-والإكفار) .