والهمم تتفاوت حتى بين الحيوانات: فالعنكبوت من حين يولد ينسِج لنفسه بيتًا، ولا يقبل مِنّة الأم، والحية تطلب ما حفر غيرها، إذ طبعها الظلم، والغراب يتبع الجيف.
والعجيب أن أنثى العنكبوت هي التي تنسج بيتها-وليس الذكر-، وعند ما تفرغ من بناء بيتها ويحصل بينهما التزاوج تقتل زوجها وترميه خارج البيت، وعند ما تلد الأنثى ويكبر أبناؤها يقتلون أمهم، ويرمونها خارج البيت.
ولذا قيل: (من اتخذ الغراب دليلًا قاده إلى الجيف) ، والصقر لا يقع إلا على الحي، والأسد لا يأكل البائت، والفيل يتملق حتى يأكل، والخنفساء تُطرَد فتعود.
قال الْمُتَلَمِّس كما في: (بهجة المجالس) (1/ 238) ، و (ذاكرة سجين مكافح) (3/ 13) :
إن الهوان حمار البيت يألفه ** والْحُر يُنكره والفيلُ والأسَدُ
ولا يقيم بدار الذل يألفها ** إلا الذليلان عَيْرُ الحي والوتدُ
هذا على الخسف مربوط برُمّته ** وذا يُشَجُّ فما يأوي [1] له أحدُ
وقال أيضًا في الذين حرموا العلم والبصيرة، والهمة والعزيمة-هم الموصوفون:
1 -بقوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) (سورة الأنفال، الآية رقم:22) .
قال بعض أهل العلم بالتفسير في معنى الآية: (إن شر الدواب عند الله الصم) عن سماع الحق (البكم) عن النطق به (الذين لا يعقلون) .
2 -وبقوله: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) (سورة الفرقان، الآية رقم:44) .
قال بعض أهل العلم بالتفسير في معنى الآية: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون) سماع تفهم، (أو: يعقلون) ما تقول لهم (إن) ما (هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) أخطأطريقًا منها لأنها تنقاد لمن يتعهدها وهم لا يطيعون مولاهم المنعم عليهم.
(1) -يأوي، أي: يَرق.