فهرس الكتاب

الصفحة 1327 من 1592

وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [1] .

وما أحسن قول العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى-في تفسيره لقوله تعالى: (أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [2] : (أي: فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان، أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أو: هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم ذليل فيحتاج إلى ولي يتكثر به من القلة ويتعزز به من الذلة؟ أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؟) [3] .

فهذه من المسائل التي لا يجوز الجهل بها بتاتًا، قال ابن جرير-رحمه الله تعالى-: (فأما الذي لا يجوز الجهل به من دين الله لمن كان في قلبه من أهل التكليف، لوجود الأدلة متفقة في الدلالة عليه غير مختلفة، ظاهرة للحس غير خفية، فتوحيد الله تعالى ذكرُه والعلم بأسمائه وصفاته وعدله، وذلك أن كل من بلغ حد التكليف من أهل الصحة والسلامة فلن يعدم دليلًا دالاًّ وبرهانًا واضحًا يدله على وحدانية ربه جل ثناؤه، ويوضح له حقيقة صحة ذلك، ولذلك لم يعذر الله جل ذكره أحدًا كان بالصفة التي وصفت بالجهل(به) وبأسمائه، وألحقه إن مات على الجهل به بمنازل أهل العناد فيه تعالى ذكره، والخلاف عليه بعد العلم به، وبربوبيته، في أحكام الدنيا وعذاب الآخرة، فقال جل ثناؤه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَاءِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [4] ، فسوى جل ثناؤه بين هذا العامل في غير ما يرضيه

(1) -سورة الزمر، رقم الآية: (3) .

(2) -سورة الصافات، رقم الآيتين: (86/ 87) .

(3) -انظر: (مدارج السالكين) (3/ 325) .

(4) -سورة الكهف، رقم الآيتين: (99/ 100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت