وقال العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى-: (والإلهية التي دعت الرسل أممهم إلى توحيد الرب بها هي العبادة والتأله ومن لوازمها: توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون فاحتج الله عليهم به فإنه يلزم من الإقرار به الإقرار بتوحيد الإلهية) [1] .
وقال الحافظ ابن كثير-رحمه الله تعالى-: (هذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية، فقال تعالى:(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [2] أي: أوجدوا من غير موجود؟ أم أوجدوا أنفسهم؟ أي لا هذا ولا هذا بل الله خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا) [3] .
وقال شيخ شيوخنا السعدي-رحمه الله تعالى-: (وهذا استدلال عليهم بأمر لا يمكنهم فيه إلا التسليم للحق أو: الخروج عن موجب العقل والدين. وبيان ذلك أنهم منكرون لتوحيد الله مكذبون لرسله وذلك مستلزم لإنكارهم أن الله خلقهم وقد تقرر في العقل مع الشرع أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور، إما أنهم خلقوا من غير شيء أي: لا خالق خلقهم، بل: وجدوا من غير إيجاد ولا مُوجد، وهذا عين المحال، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وهذا أيضًا محال، فإنه لا يتصور أن يوجد أحد نفسه فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتهما تعين القسم الثالث، وهو أن الله هو الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، علم أن الله هو المعبود وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له تعالى) [4] .
فهذه أجوبة المشركين واضحة، تدل على أنهم يقرون بربوبية الله تعالى للكون، وتدبيره لأمره، وكان مقتضى إيمانهم بربوبيته تعالى للكون: أن يعبدوه وحده، وألا يشركوا بعبادة ربهم أحدًا، ولكنهم لما أنكروا القسم الآخر من التوحيد، فكأنهم أنكروا كل الأقسام، وهو توحيد الإلهية، أو: الألوهية، والعبادة.
فبهذا ثبت أن توحيد الكفار أفضل من توحيد كثير من غلاة الصوفية [5] ، وكثير من الخلائق الذين يتابعون بعض البرامج التلفزيونية التي تدعو إلى عبادة الأضرحة والقبور، تحت غطاء: (التبرك، والولاية!!!!) ، وهدفهم تدجين دين الله عز
(1) -انظر: (إغاثة اللهفان) (2/ 135) .
(2) -سورة الطور، رقم الآية: (35) .
(3) -انظر: (تفسير ابن كثير) (4/ 244) .
(4) -انظر: (تفسير السعدي) (7/ 195/196) .
(5) -انظر: (طبقات الرسالة القشيرية) (2/ 550) ، و (تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي) (1/ 43) .