وأيضًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رضي الله تعالى عنه- فَالَ سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يَقُولُ:(إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ.
قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ.
قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّار [1] .
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ، فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ: ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ) [2] .
(1) -قال الحافظ الذهبي في: (تاريخه) (3/ 620/رقم:23 - ترجمة: أيوب السختياني) : (قال سلام بن أبي مطيع: سمعت أيوب يقول: لا خبيث أخبث من قارئ فاجر) .
(2) -سبق تخريجه آنفًا. قال النووي-رحمه الله-: (قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: في الغازي والعالم والجواد، وعقابهم على فعلهم ذلك لغير وجه الله، وإدخالهم النَّار، دليل على تغليظ تحريم الرياء وشدة عقوبته، وعلى الحثِّ على وجوب الإخلاص في الأعمال، كما قال الله تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) . (سورة البينة، رقم الآية:5) .
وفيه أن المعلومات في فضل الجهاد إنَّما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصًا، وكذلك الثناء على العلماء، وعلى المنفقين في وجوه الخير، كلُّه محمولُ على من فعل ذلك لله تعالى مخلصًا). انظر: (شرح النووي على صحيح مسلم) (13/ 50) .
فتعلم العلم لغير وجه الله تعالى، ابتغاءً لشهرة فارغة، وطلبًا عاجلة، وسعيًا وراء تقدير يصير إلى عدم، وعدوًا خلف فرح يؤول إلى ندم، كلُّ ذلك مما يدخل في دائرة الوعيد وينظم في سلك التحريم الشديد. انظر: (آفات العلم) (ص:13) .