ومن ذلك تدافع الحق والباطل، والنورُ والظلمة لا يجتمعان، وكلما أحس الباطل بالحق يتسرب إلى أرضه إلا تحرك لقمعه ودفعه، وذلك حتى لو استيقن أهل الباطل بضلال مذهبهم، لأن الحق يحرر الناس من استعباد الظلمة لهم، فيحرمهم كثيرًا مما يجنون من المصالح الدنيوية من وراء ذلك، ولذا كان لا بد من إزالة هذا العائق الذي يمنع وصول دعوة الإسلام إلى الناس أجمعين بكل حرية وأريحية.
ثم بعد ذلك (فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر) [1] ، فجيوش الفتح إذن إنما تمهد الطريق للدعاة حتى تصل دعوة الحق نقية صافية إلى كل البشر.
ولو تأمل الناس ما يعانيه الدعاة من مضايقة في الغرب المتشدق بالحرية، حتى وصل بهم الأمر إلى إصدار القوانين في منع حجاب المرأة المسلمة، لفهموا هذا الأمر، ويلمس هذا كذلك من فقه سيرة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ثم خلفاءه الراشدين من بعده.
والإسلام كذلك ليس فقط دين الفرد والمعاملة، بل: دين الفرد والجماعة، ودين المعاملة والحكم، على أن المسلم مطالب بحسن المعاملة، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أينما كان مع أهل الإسلام أو: أهل الكفر.
وعلى ما سبق: أليس من قصور النظر ومن الهوى [2] والتعصب، النظر في أحوال المسلمين في هذه (الحقبة من الزمن) التي تدهورت فيها علومهم وأعمالهم وأخلاقهم، وفقدوا فيها معظم مقومات دينهم، وتركُ النظر إليهم في زهرة الإسلام والدين في الصدر الأول، حيث كانوا قائمين بالدين، مستقيمين على الدين، سالكين كل طريق يدعو إليه الدين، فارتقت أخلاقهم وأعمالهم حتى بلغت مبلغًا ما وصل إليه ولن يصل إليه أحد من الأولين والآخرين، ودانت لهم الدنيا من مشارقها إلى مغاربها وخضعت لهم أقوى الأمم وذلك بالدين الحق والعدل [3] والحكمة [4] والرحمة، وبالأوصاف الجميلة التي كانوا عليها) [5] .
(1) -سورة الكهف، رقم الآية: (29) .
(2) -ميل القلب إلى ما يستلذ به. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(3) -العدل: مصدر بمعنى العدالة، وهي الاعتدال والثبات على الحق. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:73) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(4) -الحكمة: وضع الشيء في موضعه. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:66) .
(5) -انظر: (انتصار الحق) (ص:21/ 23) لشيخ شيوخنا عبد الرحمن السعدي.