يقول سبحانه: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (سورة يونس، رقم الآية:39) .
قال الإمام الشوكاني-رحمه الله تعالى-:(وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلب في التقليد ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف بل: يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه، كما تراه عيانًا وتعلمه وجدانًا.
والحاصل: أن من كذب بالحجة النيرة والبرهان الواضح قبل أن يحيط بعلمه، فهو لم يتمسك بشيء في هذا التكذيب إلا مجرد كونه جاهلًا لما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب مناديًا على نفسه بالجهل بأعلى صوت، ومسجلًا بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء.
ما يبلغ الأعداء من جاهل ** ما يبلغ الجاهل من نفسه) [1] .
وقال الإمام الشوكاني أيضًا: (إذا تقرر لك أن العامي يسأل أهل العلم، والمقصر يسأل الكامل، فعليه أن يسأل أهل العلم المعروفين بالدين وكمال الورع عن العالم بالكتاب والسنة العارف بما فيهما، المطلع على ما يحتاج إليه في فهمهما من العلوم الآلية حتى يدلوه عليه ويرشدوه إليه، فيسأله عن حادثته طلبًا منه أن يذكر له فيها ما في كتاب الله سبحانه أو: ما في سنة رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-فحينئذ يأخذ الحق من معينه، ويستفيد الحكم من موضوعه، ويستريح من الرأي الذي لا يأمن المتمسك به أن يقع في الخطإ المخالف للشرع المباين للحق، ومن سلك هذا المنهج ومشى في هذا الطريق لا يعدم مطلبه ولا يفقد من يرشده إلى الحق) [2] .
قال العلامة أبو بطين مفتي الديار النجدية-رحمه الله تعالى-: (ومن العجب أن بعض الناس إذا سمع من يتكلم في معنى هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا عاب ذلك، وقال: لسنا مكلفين بالناس والقول فيهم، فيقال له: بل: أنت مكلف بمعرفة
(1) -انظر: (فتح القدير) (ص:765) النسخة الكاملة في مجلد واحد-الطبعة الأولى ..
(2) -انظر: (إرشاد الفحول) (ص:451) .