ومطالبة العامي ومن بمنزلته بما يطالب به المجتهد في مسائل الدين تحكم ومكابرة وتحريج للأمة، وتكليف لها بما لا يطاق، وفيه تجرئة للجهال بأن يغيروا أحكام الله ويبدلوا شرعة، كما فيه إقامة الجهال مقام العلماء فضلًا عن مساواتهم بهم، ولا يدعو إلى مثل هذه الدعوة، خاصة في هذه العصور المتأخرة، إلا من غلب عليه الجهل مع ظنه العلم لما جمد على ظاهر النص فحفظ بضعة أحاديث لا يعرف صحيحها من ضعيفها.
وإن روى ذلك حينًا فإنه لا يدري فقهها بمعرفة ناسخها من منسوخها وخاصها من عامها ولا يعرف حمل المطلق منها على المقيد.
لقد كان الرجل من الصحابة أو: التابعين لا يسأل أو: يستفتي إلا عبد الله بن عباس مثلًا، ولم ينقل عن أحد العلماء من الصحابة أو: غيرهم أنكر مثل هذا الالتزام.
وقد عاش أهل الحجاز أمدًا طويلًا يلتزمون مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب في الحديث والأثر.
وفي العراق يلتزمون مذهب عبد الله بن مسعود في شخصه أو: تلاميذه من بعده ولم ينكر عليهم أحد.
ولقد انفرد عطاء بن أبي رباح، ومجاهد بن جبر بالفتوى في مكة، وكان منادي الخليفة ينادي: ألاَّ يفتي الناس إلا أحد هذين الإمامين، ولم ينكر أحد على الخليفة فعله، ولا التزام الناس لهذين الإمامين أو: أحدهما.
وقد تمذهب ملايين المسلمين عوامًا ومتعلمين وفقهاء بمذاهب الأربعة نظرًا لنشئته، أو: سكناه في بلد انتشر فيه ذلك المذهب. ولقد كانوا ينتقلون من مذهب إلى آخر:
1 -فهذا الإمام أبو ثور انتقل من المذهب الحنفي إلى الشافعي
2 -وابن عبد الحكم كان مالكيًا فصار شافعيًا ثم عاد إلى المالكية.
3 -وأبو جعفر بن نصر انتقل من الحنبلي إلى الشافعي.
4 -والطحاوي من الشافعي إلى الحنفي.
5 -والخطيب البغدادي، والآمدي، وابن برهان انتقلوا من الحنبلي إلى الشافعي.