إلى صاحبها الزلل فيها ... كما أنه لا ينبغي أن يُشَنَّع عليه بها، ولا يُنتقصَ من أجلها، أو: يعتقدَ فيه الإقدام على المخالَفة بحتًا، فإن هذا كلَّه خلافُ ما تقتضي رتبته في الدين ...
إنه لا يصح اعتمادها-أي: زلة العالم-خلافًا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد [1] ، وإن حصل من صاحبها اجتهاد، فهو لم يصادف فيها محلًا، فصارت في نسبتها إلى الشرع [2] كأقوال غير المجتهد، وإنما يُعَد في الخلاف الأقوالُ الصادرةُ عن أدلة معتبرَة في الشريعة، كانت مما يُقَوَّى أو: يُضَعَّفُ.
وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو: عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل: إنه لا يصح أن يُعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في:
1 -مسألة ربا الفضل،
2 -والمتعة،
3 -ومحاشي النساء،
وأشباهها من المسائل [3] التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها) [4] .
ومرة قال: ( ... فإنه يُفضي إلى تتبع رخص [5] المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل) [6] .
(1) -الاجتهاد لغة: افتعال من الجهد (بالفتح والضم) وهو الطاقة والمشقة. واصطلاحًا: استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل الظن بالحكم. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:72) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(2) -الشرع في لغة العرب: البيان. واصطلاحًا: تجويز الشيء أو: تحريمه، أي: جعله جائزًا أو: حرامًا. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:69) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.
(3) -قال ابن مسعود-رضي الله تعالى عنه-: (ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر) .
انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 988/رقم:1882) .
(4) -انظر: (الموافقات) (5/ 136/137/ 139) للإمام الشاطبي.
(5) -قال الحافظ ابن الذهبي-رحمه الله تعالى-في: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (7/ 706/رقم:220) -ترجمة: إبراهيم بن شيبان-: (وعن إبراهيم، قال: من أراد أن يتعطل ويَتَبَطَّل فليلزم الرخص) .
(6) -انظر: (الموافقات) (4/ 134) .