ومرة أيضًا قال في: (المجموع) (3/ 61) -وهو يعيّن الصلاة الوسطى: (والذي تقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر، وهو المختار، قال الماوردي: نص الشافعي-رحمه الله-أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، ومذهبه اتباع الحديث، فصار مذهبه أنها العصر، قال: ولا يكون في المسألة قولان كما وهم بعض أصحابنا) .
وهذا هو العدل والإنصاف والاتباع للسنة لا يتعصبون للرجال، ثم جاء بعدهم-إلى الآن وحتى-أناس يتعصبون ويقدمون بين يدي الله ورسوله نصوصًا من صنع البشر، عليها يوالون وعليها يعادون، اسمعوا للتعصب يتكلم-وللسني يتألم-يقول الحصفكي يمدح أبا حنيفة-رحمه الله تعالى-بأبيات غاية في الغلو والتقديس يقول:
فلعنةُ ربنا أعدادَ رمل * على من ردَّ قول أبي حنيفة
وأنشد منذرُ بن سعيدٍ أبياتًا يتوجَّع فيها من تعصب المالكية لقول الإمام بلا مستند، فقال:
عَذيريَّ من قومٍ يقولون كلَّما * طلبتُ دليلًا: هكذا قال مالكُ
فإن عُدتُ قالوا هكذا قال أشهب * وقد كان لا تخفى عليه المسالك
فإن زدتُ قالوا: قال سحنونُ مثلَه * ومن لم يقل ما قاله فهو آفِكُ
فإن قلتُ: قال الله ضَجُّوا وأكثروا * وقالوا جميعًا: أنت قِرِنٌ مُماحِكُ
وإن قلت: قد قال الرسول فقولُهم * أتت مالكًا في تركِ ذاك المسالكُ
وقال أحد الحنابلة:
أنا حنبليٌّ ما حييتُ وإن أمُتْ * فوصيتي للناس أن يتحنبلوا
وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي: (نحن ندَّعي أنه يجب على كافة العاقلين وعامة المسلمين شرقًا وغربًا، بُعدًا وقربًا-انتحال مذهب الشافعي-ويجب على العوامِّ الطغام والجهال الأنذال أيضًا انتحال مذهبه بحيث لا يَبغون عنه حِولًا، ولا يريدون به بَدَلًا) .