تنهش الأوصال مني خطوبٌ * تربي الحزن السميك السقام
"وردة"إي! بعد تسع عجاف * شابت الأجواء ريحًا ترام
شيخنا آنستم الروح، دمتم * -حب قلبي-بسمة لا تضام
لا يخيب الظن فيكم، لا * أنتمُ سيف كذا قل حسام
قال أبو البشر الدكالي: طَرَدَ هَمّ المعيشة النوم عن عيني فقمت ألتمس ما يزيل الضيم في قوافي الشعر فألفيتني في صفحتكم الرسمية-كأنها تولة من نوع خاص- ... فقلت من الوافر:
زهور الغاب أجملها صغير * وعذب الماء مستتر كفور
بغاث الطير أكثرها ضجيجًا * وصمت النسر تفهمه الصقور
شرار الخلق تكرم إذ تهون! * وخير الناس أغلبهم أسير
كرهت السير في درب المآسي * عشقت العز يخطبه الجسور
فمفتي الخزي تكسبه الأعادي * وصوت الحق ترفضه القصور
شريت النفس في سوق بزاد * فطُرْق الخير مسلكها عسير
رميت الجهل أطلبها رشيقا * ركبت الصَّبْر يشْرُطه العبور
ولست أدعي اعتلاء متن القوافي ولا افتراش تفعيلاتها ولكن-كما قيل-: إن البغاث [1] في [2]
(1) -قالت أم الفضل-فرج الله عنه-: البغاث: طائر أغبر، أو: طائر أبغث اللون أصغر من الرخم بطيء الطيران، واستنسر: صار عزيزًا كالنسر بعد أن كان من ضعاف الطيور.
(2) -قالت أم الفضل-عفى الله عنها: هذا المثل: (إن البغاث بأرضنا يستنسر) سمع هكذا: (بأرضنا) ، وهذا هو المشهور، والمعروف، وليس (في أرضنا) ، والأمثال لا تتغير، وكما في: (شرح عقود الجمان في المعاني والبيان) (ص:128/ 129) للسيوطي، أو: (حاشية مخلوف على شرح حلية اللب المصون) (ص:159) عند: (الفن الثاني: علم البيان) تحت: (فَصْلٌ فِي تَرْكِيبِ الْمَجَازِ) :
وإن أتى استعارة مركب * فمثلًا يُدعى ولا يُنَكَّبُ.
أي: لا يُحَوَّل.
قال أبو البشر: لا اعتراض عندي على هذا التأصيل، في كون الأمثال تحفظ-قدر الإمكان-ولا تنكب، ومع علمي بقوة أستاذتنا أم الفضل-حفظها الله ورفع قدرها وغفر لها-إلا أن هذا الأصل يفتقر إلى ذيل مهم في كونه متعلقًا بما ضبط لفظه دون غيره وهو في ما توافقت أحواله كلها!
فإن كان الاختلاف ثابتًا في أحرف القرآن وكذا الأحاديث الصحيحة فلا شك أن وروده على الأمثال آكد وأقوى ...
فلا نملك أن نجزم-مطلقًا-في كل الأمثال بلفظها الأول! وإنما يقال:"المعروف"، أو:"المشهور"، كما صنعت أستاذتنا أم الفضل-عافاها الله من كل داء-.
أما قول الناظم -وليس وحيًا-:"ولا تُنكب"فقد قال صاحب"الوسيط": (تَنَكَّبَ: مشى في شِقّ و تَنَكَّبَ على الشيء: اتْكَأَ، وتَنَكَّبَ عنه: نكَّب. وتَنَكَّبَ الطَّريقَ المعوجَّ: تجنَّبَه. ويقال: تنكَّب فلانًا: ولاَّه مَنْكِبَه وأَعرض عنه. وتنكَّبْ عَنِّي: تَنَحَّ وأَعْرِض. وتَنَكَّبَ الشيءَ: أَلقاه على مَنْكِبه. يقال: تنكَّبَ قوسَهُ.) . فلا شك أن توظيف الناظم لهذه الكلمة من باب المجاز، ومع أن باب المجاز واسع إلا أن استحضار المعنى الأصلي معتبر بقوة وإن كان خارج كينونته الحقيقية، والمعنى الغالب لهذه اللفظة في هذا السياق هو القلب أو: التقديم والتأخير والله أعلم، كأن نقول:"وافقت طبقة شنًا"فيما يظهر لي والله أعلم!!.
فقد تغير تراكيب الأمثال بحسب الحاجة التي استدعيت لأجلها، وكذا صرف ما ينصرف من كلماتها، فهذا لا يعد قبيحًا والله أعلم.
وفي مشكلتنا-المفتعلة-أم الباب! فلا شك أن تعليق أستاذتنا أم الفضل-رحمها الله-مفيد في سياق المجاعة الأدبية!!
حيث إن قولنا: (إن البغاث في أرضنا يستنسر) قد ورد عند أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي (المتوفى:463 هـ) في كتابه: (العمدة في محاسن الشعر وآدابه) (2/ 239) حين قال: (وكم في بلدنا هذا من الحفاث قد صاروا ثعابين، ومن البغاث قد صاروا شواهين، إن البغاث في أرضنا يستنسر) . وهذا الرجل من القرن الخامس الهجري!
وهذا الحسن بن مسعود بن محمد، أبو علي، نور الدين اليوسي (المتوفى:1102 هـ) يقول في كتابه: (زهر الأكم في الأمثال والحكم) (1/ 102) : ( ... وقيل معناه: إنّ الضعيف يستضعفنا وتظهر قوته علينا، وعلى هذا إذا أريد الافتخار قيل: إنّ البغاث في أرضنا لا يستنسر) .
وإني لأشرف برد أستاذتي وحرم شيخي وقرة عيني عمر الحدوشي-حفظه الله تعالى- ... أما ما ذكرتُه من ألفاظ عرجاء-تستفز كل بارد فضلًا عن الأحرار الشرفاء- فإنما هي من جنس الكاميرا الخفية!! أستل بها ضحكات من أسرة كريمة أتقرب بها إلى ربي.
فما يكون لي أن أمس جنابكم بعشر ما ذكرت قصدًا، وإنما هي روح بني دكالة الخفيفة التي تمل كثرة الجد، ولهذا استقر حال قومي على صباغة الحمير!!!
المهم أشكر لأستاذتي أم الفضل-رفع الله قدرها-اهتمامها بما أكتب وأقبل رأس شيخي الذي سمح لي بهذه الكاميرا الخفية في أم عياله!!
قال أبو الفضل عمر الحدوشي: ومعلوم أن التغيير إذا وقع لا يسمى مثلًا، ولهذا قال الأخضري:
وإن أتى استعارة مركب * فمثلًا يُدعى ولا يُنَكَّبُ.
(وإن أتى استعارة مركب* فمثلًا يُدعى) أي: تسمى الاستعارة حينئذ مَثَلًا، لكن شرط هذه التسمية فشو الاستعمال-أما إذا لم يكثر استعماله فلا يكون مثلًا-نحو: (الصيف ضيعت اللبن) ، (ولا ينكب) أي: لا يغير، لأنه على سبيل الاستعارة، وهي يجب أن يستعمل فيها لفظ المشبه به في المشبه-أعني: حال المرأة فلا بد من الحفاظ على التأنيث في التخاطب-فلو غُيِّر المثَل ما كان كذلك-أي: لم يكن استعارةأ ولا يكون المشبه به مستقيمًا-إذا كان كذلك فلا يكون مثَلًا، ولهذا لا يلتفت إلى مضربه تذكيرًا وإفرادًا، أو: غيرهما بل: إلى مورد، فيقال للرجل: (ضَيَّعتِ اللبن) بكسر التاء، لأن أصله لامرأة. كما في: (بذل الماعون لدار الجوهر المكنون) (ص:119 - فصل في تركيب المجاز) لشيخنا ومجيزنا العلامة محمد فال (اباه) بن عبد الله.
نعم، يجوز التغيير لكن من باب التمليح لا من باب الاستعارة التمثيلية، كما قال الحافظ السيوطي في: (ألفية البيان) (ص:29 - مع طرة محنض بابا على"عقود الجمان في المعاني والبيان") تحت باب: (أحوال المسند إليه) :
بشرط فقدِ مانع التخصيص لا * شَرٌّ أهَرَّ ذَا أذى إما على
فغيَّر المثال للوزن واكتفى بالتلميح، وإلا فالمثَل في: (شر أهر ذا ناب) ، وكذا تغييرهم للمثل الشهير: (سبقَ السيف العذل-الملام) ، وقال العلامة أحمد البدوي في: (عمود النسب) (ص:44 - نسب مدركة) :
أهلكه الحارث ثم افتخرا * لِقتْلِه لِضبة، إذْ لا يَرَى
أَنَّ أباهُ ضَبَّةٌ، فقَتَلهْ * و"سَبَقَ السيفُ العِتاب"أرسَلَهْ.