2 -وإلى: ما دلالته ظاهرة غير قطعية.
فأما الأول: فيجب اعتقاد موجبه علمًا وعملًا، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء في الجملة، وإنما قد يختلفون في بعض الأخبار هل هو قطعي السند، أو: ليس بقطعي؟ وهل هو قطعي الدلالة، أو: ليس بقطعي؟
مثل اختلافهم في خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول والتصديق، أو: الذي اتفقت على العمل به، فعند عامة الفقهاء وأكثر المتكلمين أنه يفيد العلم، وذهب طوائف من المتكلمين إلى أنه لا يفيده.
إلى أن قال: وأما القسم الثاني: وهو الظاهر فهذا يجب العمل به في الأحكام الشرعية باتفاق العلماء المعتبرين، فإن كان قد تضمن حكمًا علميًا مثل الوعيد ونحوه فقد اختلفوا فيه:
فذهب طوائف من الفقهاء إلى أن خبر الواحد العدل إذا تضمن وعيدًا على فعل فإنه يجب العمل به في تحريم ذلك الفعل، ولا يعمل به في الوعيد إلا أن يكون قطعيًا، وكذلك لو كان المتن قطعيًا لكن الدلالة ظاهرة.
إلى أن قال: وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد، فإن أصحاب رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ... ).
وقال أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-في: (مجموع الفتاوى) (16/ 16/17) : ( ... ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به، ... فهذا يفيد العلم، ويُجْزَمُ بأنه صدق، لأن الأمة تلقته بالقبول تصديقًا وعملًا بموجبه، و(الأمة لا تجتمع على ضلالة) [1] ، فلو كان في نفس الأمر كَذِبًا لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل به، وهذا لا يجوز عليها.
(1) -وهذا قتباس من حديث: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) : وهو حديث صحيح لكثرة شواهده، ومجموع طرقه: رواه الحاكم في: (مستدركه) (1/ 116) ، والبيهقي في: (الأسماء والصفات) (رقم:702) ، وفي آخره زيادة: (ويد الله على الجماعة) ، وروى الترمذي هذه الزيادة في: (جامعه) (ص:490/رقم:2166 - النسخة الكاملة في مجلد) ، ثم قال: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه) ، وورد الحديث عن جمع من الصحابة، منهم ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-أخرج أحد الروايات عنه الطبراني في: (المعجم الكبير) (12/رقم:13623/ 13624 - وإسناد الأول جيد) .
و (صححه الألباني في:(تخريج إصلاح المساجد) (61) ، و (ظلال الجنة) (8180) ، وتحقيق: (بداية السول) (70/ 133) ، ولا يلتفت إلى من ضعفه بإبراهيم بن ميمون الصنعاني، والرجل عدله وأثنى عليه عبد الرزاق الصنعاني، ووثقه ابن معين، والذهبي، والحافظ ابن حجر في: (التهذيب) ، و (التقريب) (1/ 102/رقم:262 - مع التحرير) ، وصحح بمجموع طرقه الألباني لفظَ: (إن الله لا يجمع أمتي، أو: قال: أمة محمد على ضلالة) في: (صحيح سنن الترمذي) ، كما في: (جامع الترمذي) (ص:490/رقم:2167 - النسخة الكاملة في مجلد) ، و (المشكاة) (3/ 11) ، و (الظلال) (80) -انظر: (إتحاف النبيل بأجوبة أسئلة علوم الحديث والعلل والجرح والتعديل) (1/ 180/رقم:58) ، و (إمتاع الأسماع بما ورد في الإجماع) (ص:9) لأبي حفص بن العربي.
وللحديث شواهد كثيرة يتقوَّى بها، منها:
1 -حديث ابن عمر-رضي الله عنهما-مرفوعًا: (أخرجه الترمذي في:(جامعه) (ص:490/رقم:2167 - النسخة الكاملة في مجلد) ، أو: (4/ 68/رقم:2173/ 34 - كتاب الفتن، 7 - باب: ما جاء في لزوم الجماعة) -
وفيه: سليمان بن سفيان أبو سفيان المدني،
1 -ضعفه ابن معين، كما في: (تاريخه-برواية الدوري) (2/ 231/رقم:1102) ، وبرواية الدارمي (رقم:385) ،
وضعفه النسائي في: (الضعفاء والمتروكين) (ص:120/رقم:262 - دار الفكر) .
3 -وقال البخاري في: (التاريخ الكبير) (4/ 17) ... ): (منكر الحديث-كما في:(العلل الكبير) (ص:817) .
4 -وأبو زرعة،
5 -وأبو حاتم في: (الجرح والتعديل) 4/ 119)، أو: (4/ 518) حيث قال: (ضعيف يروي عن الثقات أحاديث مناكير) .
6 -و (الدارقطني في:(العلل) (2/ 68) .
7 -وقال علي بن المديني: (روى أحاديث مناكير) .
8 -وقال الحافظ الذهبي في: (الكاشف) (1/ 346/رقم:2110) و (الميزان) (3/ 296/رقم:3472 - دار الكتب العلمية) ، أو: (2/ 209/رقم:3469 - دار الفكر) ، أو: (2/ 546/565/رقم:3475 - دار الحديث بالقاهرة) ، و (لسان الميزان) (4/ 155) : (ضعفوه) .
انظر: (تهذيب الكمال) (8/ 56/رقم:2502) ، أو: (8/ 538) ، و (تهذيبه) (3/ 479/رقم:2639) ، أو: (4/ 194) ، و (تقريبه) (1/ 325) ، و (تحريره) (2/ 68/رقم:2563) ، و (خلاصته) (1/ 412/رقم:2697) ، و (أخبار أصبهان) (2/ 208) .
رواه ابن أبي عاصم في: (السنة) (39/ 40/رقم:80) ، والحاكم في: (مستدركه) (1/ 115/116) ، وأبو نعيم في: (الحلية) (3/ 37) ، واللالكائي في: (شرح أصول الاعتقاد) (1/ 105/رقم:154/ 653) ، والطبراني في: (المعجم الكبير) (رقم:13623) ، والدولابي في: (الكنى) (2/ 56) ، والبيهقي في: (الأسماء والصفات) (ص:407/ 322) ، والخطيب في: (الفقيه والمتفقه) (1/ 160/161) ، وابن حزم في: (الإحكام) (4/ 192) ، وابن حجر في: (موافقة الخُبْرِ والخَبَرَ) (1/ 109) بسند ضعفه الإمام الترمذي وغيره.
وصححه الألباني بمجموع طرقه في: (صحيح سنن الترمذي) (2/ 232/رقم:1759/ 2269/أبواب الفتن، 7 - باب: في لزوم الجماعة) ، وقال: (صحيح دون"ومن شذ"-و(المشكاة) (3/ 11) ، و (الظلال) :80).
2 -حديث أبي مالك الأشعري-رضي الله تعالى عنه-مرفوعًا: (إن الله أجاركم من ثلاث ... وألا تجتمعوا على ضلال) : أخرجه أبو داود في: (سننه) (4/ 452/رقم:4233/ 4253 - كتاب الفتن، باب: ذكر الفتن ودلائلها) ، وابن أبي عاصم في: (السنة) (1/ 41/رقم:92 - المكتب الإسلامي) .
وخرجه الألباني في: (ظلال الجنة في تخريج السنة) (1/ 41/رقم:82) ، وقد توسع في تخريجه رضاء الله المباركفوري في هامش: (الفتن) (3/ 4/745/ 746/رقم:367 - دار العاصمة) لأبي عمرو عثمان الداني.
ورواه الطبراني في: (المعجم الكبير) (3/ 292/رقم:3440 - دار إحياء التراث العربي) ، وقال الهيثمي في: (المجمع) (1/ 128) : (وفيه محمد ابن إسماعيل بن عياش، عن أبيه ولم يسمع من أبيه، ورواه المصنف-الطبراني-في:(مسند الشاميين) (1663) ... )، والخطيب في: (الفقيه والمتفقه) (1/ 160) ، وابن حجر في: (موافقة الخُبْرِ والخَبَرَ) (1/ 109) ، عنه بسند ضعفه الزركشي في: (المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر) (رقم:24) ، وفيه شريح لم يسمع من أبي مالك-كما قال أبو حاتم-فالحديث ضعيف، وابن حجر في: (التلخيص الحبير) (3/ 141) .
3 -حديث سمرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا.
أخرجه أبو نعيم في: (أخبار أصبهان) (2/ 208) بسند ضعيف.
4 -حديث أبي بصرة الغفاري-رضي الله عنه- مرفوعًا: (سألت ربي عز وجل أربعًا، فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة، سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالةٍ، فأعطانيها ... ) .
أخرجه أحمد في: (المسند) (6/ 396) -وقال محققو: (المسند) (45/ 200/201/رقم:27224) : (صحيح لغيره) -وابن مردويه-كما في: (تفسير ابن كثير) (2/ 142) ، وابن أبي خيثمة-كما في: (المقاصد الحسنة) (رقم:1288) ، والطبراني في: (المعجم الكبير) (2/ 280/رقم:2171) ، وابن عبد البر في: (الجامع) (1/ 756/1390) ، وابن حجر في: (موافقة الخُبْرِ والخَبَرَ) ، (1/ 105/106) بسند ضعيف.
وقال الحافظ الهيثمي في: (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) (1/ 177) ، و (7/ 222 - كتاب الفتن، باب: في قوله تعالى:(أو يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعض) : (وفيه راو لم يسم) .
وقال الحافظ السخاوي في: (المقاصد) (ص:460/رقم:1288) : (وبالجملة: فهو حديث مشهور المتن، ذو أسانيد كثيرة، وشواهد متعددة في المرفوع وغيره) .
وصححه المحدث الألباني-رحمه الله تعالى- في: (صحيح الجامع) (رقم:1848) ، و (سلسلة الأحاديث الصحيحة) (3/ 319/320/رقم:1331 - بلفظ:"إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة") ، و (سلسلة الأحاديث الضعيفة) (6/ 435/436/رقم:2896) .
وقد سمعت شيخنا العلامة عبد الغماري الطرقي عند ماوصلنا إلى هذا الحديثفي: (جامع الترمذي) ، فقال: (قوله-عليه الصلاة والسلام-:"إن الله لا يجمع أمتي": المقصود بالأمة: العلماء، وهذا الحديث يدل على أن إجماع الأمة جائز وممكن) .
أفاد هذا الحديث عدم اجتماع هذه الأمة على ضلالة:
قوله: (عَلَى ضَلَالَةٍ) : قال الأبهري: أي: على خطأ، وقيل: على كفر ومعصية.
قال ابن الملك-كما في: (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (1/ 260/261) : (فالحديث يدل على أن اجتماع المسلمين حق، والمراد إجماع العلماء، ولا عبرة بإجماع العوام؛ لأنه لا يكون عن علم) .
فالمجتمعون على الدين يحفظهم الله من الضلالة والخطأ، أو: للتوفيق لموافقة إجماع هذه الأمة، واعلم أن المراد بالإجماع الذي احتجوا على حجيته بهذا الحديث وأمثاله هو الإجماع الشرعي المصطلح عليه عند الأصوليين.
ولقد أجمع جمهور العلماء على أن هذه الأمة معصومة من الاجتماع على الضلالة وهذه العصمة باقية إلى يوم القيامة، ويؤيده حديث الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ-رضي الله تعالى عنه-مرفوعًا: (لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ) .
رواه لإمام البخاري في مواضع من: (صحيحه) : 61 - كتاب المناقب، 28 - باب: علامات النبوة في الإسلام-4/ 187 - . وفي: 96 - كتاب الاعتصام، 10 - باب: قول النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق"، (8/ 149 - مع الفتح) لكن بلفظ: (طائفة) ؛ بدل: (ناس) .
وفي: 97 - كتاب التوحيد، 29 - باب: قول الله تعالى: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، (8/ 189) بلفظ: ( ... قوم) -ورواه أيضًا في كتابه: (خلق أفعال العباد) (ص:42) .
ورواه مسلم في: (صحيحه) : 33 - كتاب الإمارة، 53 - باب: قوله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق) ، (3/ 1523/رقم:171) ، والدارمي (2/ 132/رقم:3437) ، وأبو عوانة في: (الصحيح المسند) (5/ 109) ، وأحمد (4/ 244/252) ، و (4/ 248 - بلفظ: يقاتلون على الحق) .
ورواه الطبراني في: (الكبير) (20/ 402/403/رقم:959/ 960/962) ، وبرقم: (961) بلفظ: ( ... حتى تقوم الساعة) ، واللالكائي في: (شرح أصول الاعتقاد) (1/ 110/رقم:167) ، وأبو نعيم في: (الحلية) : (8/ 373/رقم:437) ، وغيرهم.
انظر: (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) (13/ 66/67) ، وكتابي: (كيف تصير عالمًا في زمن النت؟) (ص:516) .