الوجه الرابع: أن أكثر هؤلاء الرجال الذين تكلم فيهم من المتقدمين، يُخرِّج البخاريُّ أحاديثَهم-غالبًا-في الاستشهادات والمتابعات والتعليقات، بخلاف مسلم، فإنه يخرِّج لهم الكثير في الأصول والاحتجاج.
ولا يُعرِّج البخاريُّ-في الغالب-على من أخرج لهم مسلم في المتابعات، فأكثر من يُخرِّج لهم البخاري في المتابعات يَحتج بهم مسلمٌ، وأكثر من يُخرِّج لهم مسلمٌ في المتابعات لا يُعرج عليهم البخاري، فهذا وجه من وجوه الترجيح ظاهرٌ.
والأوجه الأربعة المتقدمة، كلها تتعلق بعدالة الرواة، وبقي ما يتعلق بالاتصال، وهو:
الوجه الخامس: وهو أن مسلمًا كان مذهبه-بل: نقل الإجماع في أول"صحيحه": أن الإسناد المعنعن له حكم الاتصال، إذا تعاصر المعنعِن والمعنعَن عنه، وإن لم يثبتْ اجتماعُها، والبخاريُّ لا يَحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما ولو مرةً واحدةً.
وقد أظهر البخاريُّ هذا المذهب في: (التاريخ) ، وجرى عليه في: (الصحيح) ، وهو مما يرجَّح به كتابُه، لأنا وإن سلَّمنا ما ذكره مسلم من الحكم بالاتصال-أي: على سبيل النزول والافتراض، لا على سبيل التحقيق والتقرير-فلا يخفى أن شرط البخاري أوضح في الاتصال.
وبهذا يتبين أن شرطه في كتابه أقوى اتصالًا وأشد تحريًا-زاد في: (النزهة) وجهًا آخر، فقال-في: (ص:89) : (وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ والإعلال، فلأنَّ ما انتُقدَ على البخاري من الأحاديث أقلُّ عددًا مما انتقد على مسلم) -والله أعلم).
وللحافظ السخاوي كلام جيد مثل ما ذكرنا هنا في كتابه: (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) (1/ 46/إلى:59 - دار مكتبة المنهاج) تحت عنوان: (أصح كتب الحديث) ، لمن أراد أن يرجع إليه.
وقال الحافظ العراقي-كما في: (علوم الحديث لابن الصلاح-ونكت الحافظ العراقي المسماة بـ:"التقييد والإيضاح"لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح، ونكت الحافظ العسقلاني المسماةُ بـ:"الإفصاح بتكميل النكت على ابن الصلاح") (1/ 127/143) : (أول من صنَّف الصحيح: البخاري) .
قال أبو الفضل عمر الحدوشي: