فهرس الكتاب
ولهذا قال العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى [1] : (والتعويل في الحكم على قصد المتكلم، والألفاظ لم تُقْصَد لنفسها وإنما هي مقصودة للمعاني، والتوصل بها إلى معرفة مراد المتكلم.
ومراده يظهر من عموم لفظه تارة، ومن عموم المعنى الذي قصده تارةً، وقد يكون فهمُه من المعنى أقوى، وقد يكون من اللفظ أقوى، وقد يتقاربان كما إذا قال الدليل لغيره: لا تسلكْ الطريقَ فإن فيها من يقطع الطريقَ، أو: هي مَعْطَشَة مخوفة، عَلِمَ هو وكلُّ سامع أنَّ قَصْدَه أعم من لفظه، وأنه أراد نهيَه عن كل طريق هذا شأْنُها، فلو خالفه وسلك طريقًا أخرى عَطِبَ بها حَسُنَ لَوْمُه، ونُسِبَ إلى مخالفته ومعصيتِه، ولو قال الطبيب للعليل وعنده لحم ضأن: لا تأكل الضأنَ فإنه يزيد في مادة المرض، لَفَهِم كلُّ عاقل منه: أن لحم الإبل، والبقر كذلك، ولو أكل منهما لَعُدَّ مخالفًا، والتحاكُم في ذلك إلى فِطَر الناس وعقولهم-العقول السليمة طبعًا-ولو منَّ عليه غيره بإحسانه فقال: والله لا أكلت له لقمةً، ولا شرِبت له ماءً، يريد خلاصه من مِنَّته عليه، ثم قبل منه الدراهم، والذهب، والثياب، والشاة ونحوها لَعَدَّه العُقلاءُ واقعًا فيما هو أعظم مما حَلَفَ عليه، ومُرتكبًا لذروة سَنَامِه، ولو لاَمَه عاقلٌ على كلامه لمن لا يليق به محادثته من امرأة، أو: صبي فقال: والله لا كلَّمته، ثم رآه خاليًا به يؤاكله، ويشاربه، ويعاشره، ولا يكلمه لَعَدُّوه مرتكبًا لأشدِّ مما حلف عليه، وأعظمه ...
فمَن عَرف مرادَ المتكلِّم بدليل من الأدلة وجب اتباعُ مراده، والألفاظ لم تُقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يُستدَل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مرادُه، ووضَحَ بأي طريق كان، عُمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو: كناية، أو: بإيماءٍ، أو: دلالة عقلية، أو: قرينة حالية، أو: عادة له مطَّردة لا يُخِل بها، أو: من مقتضى كماله، وكمال أسمائه، وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادةُ ما هو معلوم الفساد، وتركُ إرادة ما هو متيقَّن مصلحته، وأنه يُستدَلُّ على إرادته للنظير بإرادة
(1) -كما في: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) (1/ 218) ، أو: (1/ 435/437) تحقيق: محمد أجمل الإصلاحي، وتخريج عمر بن سعدي، من مطبوعات: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، أو: (2/ 383/385 - تحت عنوان:(الصحابة فتحوا باب القياس والاجتهاد) ، و"العبرة بإرادة المتكلم لا بلفظه") تحقيق: مشهور حسن-ونسخة مشهور فيها تصحيفات وأخطاء من حيث التحقيق واضحة-من مطبوعات: دار ابن الجوزي.