فهرس الكتاب
نظيره ومثلِه ومُشْبِهِه، وعلى كراهة الشيء بكراهةِ مثلِه ونظيرِه ومُشْبِهِه، فيقطع العارفُ به وبحكمته، وأوصافه على أنه يريد هذا، ويكره هذا، ويحب هذا، ويبغض هذا.
وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل، وأقواله كيف يفهم مرادَه من تصرفه، ومذاهبه؟ ويُخبر عنه بأنه يُفتي بكذا ويقوله، وأنه لا يقول بكذا، ولا يذهب إليه، لما لا يوجد في كلامه صريحًا، وجميع أتباع الأئمة مع أئمتهم بهذه المثابة.
وهذا أمرٌ يَعُمُّ أهلَ الحق، والباطل لا يمكن دفعه، فاللفظ الخاص قد ينتقل إلى معنى العموم، والعام قد ينتقل إلى الخصوص بالإرادة، فإذا دعي إلى غَداء، فقال: والله لا أتغدى، أو: قيل له: والله لا أشرب-فهذه كلها ألفاظ عامة نقلت إلى معنى الخصوص بإرادة المتكلم التي يقطع السامع عند سماعها بأنه لم يرد النفي العام إلى آخر العمر، والألفاظ ليست تعبدية ... ).
ومرة قال العلامة ابن القيم-رحمه الله تعالى [1] : (وأصحاب الرأي والقياس حَمَّلوا معاني النصوص فوق ما حَمَّلها الشارعُ، وأصحابُ الألفاظ ِوالظواهر قصَّروا بمعانيها عن مراده، فأولئك قالوا: إذا وقعت قَطرة من دم في البحر، فالقياس أنه يَنْجُسُ، ونَجَّسُوا بها الماء الكثير مع أنه لم يتغير منه شيء ألبتة بتلك القَطْرَة.
وهؤلاء قالوا: إذا بال جَرَّةً من بول وصبها في الماء لم تُنَجِّسْه، وإذا بال في الماء نفسِه ولو أدنى شيء نَجَّسَه، ونَجَّسَ أصحابُ الرأيِ والمقاييسِ القناطيرَ المقنطرةَ ولو كانت ألفَ ألفِ قِنطار من سَمْن، أو: زيت، أو: شَيْرَج-الشَّيْرْج: دُهْنُ السِّمْسِمْ-بمثل رأس الإبرة من البول، والدم، والشعرة الواحدة من الكلب، والخنزير عند من يُنَجِّس شعرهما.
(1) -كما في: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) (1/ 443/448/ 449) من مطبوعات: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، أو: (2/ 392/397) من مطبوعات: دار ابن الجوزي، تحت عنوان: (القياسيون والظاهرية مفرطون) ، و (وجوب إعطاء اللفظ والمعنى حقَّهما) .