فهرس الكتاب
وأصحاب الظواهر والألفاظ عندهم لو وقع الكلب، والخنزير بكماله، أو: أيُّ ميتة كانت في أي ذائب كان من زيت، أو: شَيْرَج، أو: خَلٍّ، أو: دِبْس-الدِّبْس: ما يَسيلُ من الرُّطَب، أو: عَسَلُ التمر-أو: وَدَكَ غير السمن ألقيت الميتة فقط، وكان ذلك المائع حلالًا طاهرًا كلَّه، فإن وقع ما عدا الفأرة في السَّمْنِ من كلب، أو: خنزير، أو: أيِّ نجاسة كانت، فهو طاهر حلال ما لم يتغير).
إلى أن قال: ( ... والصواب أن كل ما دخله المال فهو فدية بأي لفظ كان، والألفاظ لم ترد لذواتها ولا تعبدنا بها، وإنما هي وسائل إلى المعاني، فلا فرق قط بين أن تقول:"اخلعني بألف"، أو:"فادني بألف"لا حقيقة ولا شرعًا، ولا لغة، ولا عرفًا ... فإن الحقائق لا تتغير بتغيير الألفاظ، وهذا باب يطول تتبعه.
والمقصود أن الواجب فيما علق عليه الشارع الأحكام من الألفاظ والمعاني أن لا يتجاوز بألفاظها ومعانيها، ولا يقصر بها، ويعطي اللفظ حقه والمعنى حقه، وقد مدح الله-تعالى-أهل الاستنباط في كتابه وأخبر أنهم أهل العلم، ومعلوم أن الاستنباط إنما هو استنباط المعاني والعلل ونسبة بعضها إلى بعض، فيعتبر ما يصح منها بصحة مثله ومشبهه ونظيره، ويلغى ما لا يصح، هذا الذي يعقله الناس من الاستنباط.
قال الجوهري [1] : الاستنباط (كـ) الاستخراج، ومعلوم أن ذلك قدر زائد على مجرد فهم اللفظ، فإن ذلك ليس طريقة الاستنباط: إذ موضوعات الألفاظ لا تنال بالاستنباط، وإنما تنال به العلل والمعاني والأشباه والنظائر ومقاصد المتكلم، والله-سبحانه-ذم من سمع ظاهرا مجردًا فأذاعه وأفشاه، وحَمِد مَن استنبط من أولي العلم حقيقته ومعناه.
ويوضحه أن الاستنباط استخراج الأمر الذي من شأنه أن يخفى على غير مستنبطه، ومنه استنباط الماء من أرض البئر والعين، ومن هذا قول علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه-وقد سئل: (هل خصكم رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-بشيء دون الناس؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدًا في كتابه) [2] .
(1) -كما في: (الصحاح) (3/ 1162) (مادة: نبط) ، أو: (مادة: خرج) .
(2) -رواه البخاري في: (صحيحه) كتاب العلم، باب: كتابة العلم، رقم:111 - وكتاب الجهاد: باب: فكاك الأسير، رقم:3047 - وكتاب الديات: باب: العاقلة، رقم:6903 - وباب: لا يقتل مسلم بكافر، رقم:6915).